×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

اعترافات صامتة!

هي.. نسمةٌ نقية ألوذ بها كلما لوثت أنفاسي مواقف الحياة اليومية الموسومة بالصعاب حيث أتلاشى بدفء روحها العذبة، هي كتفٌ أتكأ عليه فيكون مرفأ ارتحال أحزاني، هي قلباً يكون أمني حتى عندما أمتطي الجبال الشاهقة وأتوسد رمالها التي اختلطت عروقها برائحة البارود والدماء، هي التي أراها تتجالد رغم ضعفها حين أكون بحاجة من يشد عضدي ويضحي سندي، هي ذي شريكتي لكن هذه المرة كانت مختلفة تماماً.. فالرحلة كانت شاقة جداً حتى بالنسبة لرجل...

البداية...

رجل ثلاثيني شديد الحرص على دينه، يتابع بشغف مرآة المجتمع في عيون المرجعية، حيث يراها البوصلة التي ترشده وتشده نحو الاتجاه الصحيح سيما مع ما غرسه فيه والده من نبتةٍ أبية على الظلم رافضة الذل حتف أنفاسها.

هو ذا أنا.. كنت كمن يبحث عن وظيفةٍ حقيقية ودور فاعل لمجتمعي وديني  لكنني وقفت حائراً في منتصف الطريق، ليس لأن أقدامي تستند على أرض هشة فلم يهتز عرش ولائي لأحبة الله واحبتي يوماً، إنما كنت أنتظر اشارةً ما، إشارة تطلقها رحمةٌ إلهية  فأمور كهذه لا يمكن أن تأتي هكذا؛ بل تحملها أجنحة الملائكة لتطوف حول منائر خلفاء الله على هذه الأرض.

أما قبلها كنت أروم حمل أمتعتي الى سوريا حيث العقيلة الطاهرة، لكنني انتظرت ذات النداء.. ولما ذقت ذرعاً اتصلت بمكتب سماحة المرجع الأعلى ليبارك لي مسيري لكن ما حدث أن نصحني بالتريث، فازداد يقيني بأنه يهيئنا لأمر أعظم.. لذا لم أملك إلا الصبر محتضناً أوجاعي على الموصل تحت أنهار الدموع التي سالت رغماً عني.

جمعة الفتوى...

في جمعةٍ سابقة كنت اجلس بهدوء مقابل التلفاز حيث تهديني المرجعية أبهى دررها فأقابلها بالصمت الذي يسبقه الرضا، لكن هذه المرة لم أستطع أن أهدأ أو اجلس لأريح بدني حتى أستشف رأي المرجعية بكل تلك الفوضى، ها أنا أقف مشدود البال أنتظر ما أنتظره منذ زمن, وكلي يقين أن المرجعية لن تترك شبكات الإعلام  تقتات على عقولنا والقتل يشهر سيفه ليقطف رقابنا باسم الطائفية.

أقف متسمراً أمام الشاشة الناطقة بلسان المرجعية، بصوتها الواثق ونبرتها الجادة وقد بلغت قلوبنا الحناجر كأنه يوم الميعاد.. وها هي أخيراً ولدت الفتوى وأطلقت أولى صرخاتها، كان أمر شرعي ورأي سديد، ركضت مسرعا وصرت أتصل بكل صديق لي لأسأل عن كيفية التسجيل والالتحاق

سجلت اسمي مع المتطوعين وانتظرت أن يتصلوا بي لإبلاغي عن موعد ومكان الالتحاق..

ولادة أجهضت أخرى...

ولد (أبو القاسم) بفارق يوم واحد.. ولدي الصغير وآخر حبة في عنقود عائلتي الصغيرة بعد علي ورضا وحسن، كان قدومه بهذا التوقيت مثابة اختبار لي، فدوماً ما كان الأطفال نقطة ضعفنا بيد أنني عاهدتُ نفسي أن لا أخسر هذه المعركة وأخذل الحسين (عليه السلام)، لذا تركته ورائي مقبلاً إلى المعركة في (5 رمضان) من دون ان اتلقى اي اتصال هاتفي من أي مكتب أو جهة سوى عزمي الذي بات يقض مضجعي، كان لزاماً علي أن أتجاهل الجميع لأجل عقيدتي فبين شكوى زوجتي وجيراني الذين وصفوني بال (متهور) وبين أخوتي الذين رموني بالجنون وأهل زوجتي اتهموني بأني أتنصل من مسؤولياتي، ألا أن الهاجس الذي تملكني وصار يحركني بشدة اتجاه السواتر هو أنني لم أر إلا الحسين أمامي.

الالتحاق الأول...

كان أصعب قرار اتخذته في حياتي، أصعب حتى من مقاومة داعش، وحتى بعد كل المعارك التي خضتها لم أجد أصعب من ذلك اليوم.

التحقت وبقيت ثابتاً على عهدي أتابع خطب الجمعة التي رسمت بها طريق خطواتي أتذكر في إحدى الخطب أنني سمعت ممثل المرجعية الدينية سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي يوصينا بالصبر والثبات عندها علمتُ في قرارة نفسي أن المعركة ستكون طويلة وان مفارقة الأهل والولد قد تدوم لسنين، وفي خطبة أخرى قال: (إنَ من لم يلتحق سيندم) فعلمتُ أيضاً أن المعركة مقدسة كقداسة طف كربلاء الذي تشظى اليوم طفوفاً أخرى في قلوب الأوفياء، ولم أنس أبدأ ما قاله احد الخطباء ذات يوم ان الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف) لن يظهر إلا بوجود أناس مخلصين تنصره وتعزره، عندها توجهت إلى إمامي وهمستُ سراً بيني وبين أبواب عطفه.

ثم خسرت رفاقي الواحد تلو الآخر وما زلت دونهم أنتظر، وبين كل إجازة والتحاق كنت أواجه نفس الممانعة والعوائق، فأنا المتهم الدائم بالتقصير بنظر الجميع إلا في نظر نفسي، أنني لا ألومهم أبداً فقد تعودوا أن يأخذوا من الأشياء قشرتها فلا يعطون لكل أمرٍ أبعاده الحقيقية الخفية ولا ينظرون لأبعد من حدود افتراضية وضعت قبلهم فآمنوا بها، خاصة وهم يروني أنتفض للواجب مهما كانت عائلتي بحاجة إلي، لم أكن أسمع سوى صدى كلمات ظلت تؤرقني وهي " إن من سمع واعيتنا ولم ينصرنا أكبه الله على منخريه في النار".

تحملني عيون الذكرى الى إحدى الإجازات حين  كان منزلي بحاجة لبعض الترميم الذي كنت قد بدأت به فعلاً لولا أن أخي اتصل بي يطلب الدعم فالعدو يفوقهم عدداً وعدة، عندها  تركت ما بيدي ملبياً على الفور وأخذت معي عدد من أصدقائي حيث صار عددنا خمسة كان اخي قد التحق فيما بعد بقوات العتبة الحسينية (لواء علي الأكبر)، وعند اسنادهم أحببت تلك الهمة العالية في نفوسهم وهتافاتهم كانت " لبيك يا حسين" متعاونين متحابين يذود بعضهم عن بعض، حتى أتممنا المهمة بالنصر وطلبت من آمر اللواء أن ألتحق رسمياً بقوات لواء علي الأكبر فوافق على الفور فرحاً بوجود جندي آخر يضاف الى صفوف جنوده الشجعان..

_ طوسي.. هناك سؤال يشغل بالي منذ بداية حديثك، ماذا يوجد خلف الساتر يا ترى لتترك من اجله الأهل والأحبة؟!!

_هه خرجت بنبرة استحياء قائلاً: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والديه وولده والناس أجمعين" وقال أيضاً عليه أفضل الصلاة والسلام " حسين مني وأنا من حسين "، لذا فإني لن أكون حقاً من اصحاب الحسين (عليه السلام) حتى أترك في حبه وطاعته كل الأهل والأحباب فالذين قاتلوا وقتلوا في سبيل الحسين (عليه السلام) لم ينالوا تلك الدرجة الرفيعة إلا بالتضحية ونكران الذات، فياليتنا كنا معكم ما هي إلا اختبار واقعي، أما أهلي وولدي فهم دوماً في حفظ الزهراء روحي فداها بعد حفظ الله ورعايته.

_هو سؤال آخر يتلجلج في دوامة أفكاري.. ماذا همس قلبك بصمت مناجياً منائر الهدى؟؟؟

_همست برسائل صامتة لإمامي الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام) باعترافات خفية لم أبح بها لزوجتي يوماً.. فهي لم تعرف أنها عندما كانت تتصل بي تشكو تعبها وضعفها كان قلبي يعيش النزع، فلعلها تأسف دون أن تعرف أن سهاد ليلها يؤرقني فلا يستسيغ لي طعام ولا شراب، وكأنني أحبس نفسي على الساتر استجابة لنداء الله فيما يتمزق قلبي لوجع من أحب.

ولم تدر أن عيناي على المرصد كانتا أحياناً تغرورقان بالدموع ما إن يمر طيفها فأمنع جفوني أن تنسدل خوفاً على واجب الحراسة.. هكذا كنت أبكي بلا صوت ولا جفن، ولم تدرِ أيضاً أني افتقد طفولة صغيري، فلم اره وهو يكبر ولا أتذكر صوته الأول وابتسامته متى كانت فقد ازدحمت مخيلتي بصور المعركة والشهداء، ثم أخيراً جثوت على أعتابهما معترفاً أن زوجتي وأولادي ليسوا أكرم من زوجتك وأولادك فأعني على تحمل فراقهم وأخلفني فيهم..

وعندما اجتازت ذلك الحاجز الخفي ووصلت إلى أعماق عقيدتها كنت أشد الناس سروراً بتفهمها وأعددت ذلك من بركات الله تعالى على المقاتلين، لما لا فالمقاتل يحتاج أن يعطف الله عليه قلب زوجه ففي ذلك سكون قلبه الملتاع..

والآن بت أتساءل هل الخوف أصبح أكثر دفئاً من الأمن، وهل التضحية فاقت الحب؟! كل شيء جائز في حكايتنا الفريدة تلك.

 

نغم المسلماني