×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

وليد الجهاد والبطولة...

لم أكن أعلم أن نبضاتي ستتدفق لمصب آخر وكلي يقين لا شيء سيعكر لحظاتنا المزهرة لتوها...

 وأنا أخطو نحو البيت بفرحٍ بعد أن جفت لهفتي من ارتقاب اكتماله يوماً بعد يوم.

وقفت لحظات أمام عتبته لتـُطوّق أكاليل السعادة قلبي وأنا أنظر لحظات أخرى إلى عناء النهوض من  عثرات الطريق..

دخلت كأميرة كساها زوجها جلباب العفة والكرامة حتى ظننت إن ليس هناك امرأة مثلي حظيت بزوجٍ مثل (وليد)...

أطلق أطفالي من خلفي تغريدات فرح وانبهار، وراحوا يجولون في زوايا المنزل إلى غرفهم المؤثثة... أخيراً لنا هوية وجودية في بقعة من الوطن في محافظة الديوانية..

نظرت ناحية النور المنبثق من وجه زوجي، لأروي عطش الامتنان  إليه.. والأفكار تتدفق لخططي المستقبلية حتى رسمتها في  أرشيف ذاكرتي...

لاحت بشائر السعادة علينا مع حلول شهر شعبان الفائض ببشارات السلام وأعياد الولادات المباركة لذا فللحديث عن أيام شعبان لذة استثنائية عن باقي الأيام..

ولكن....

بينما كنت أتفقد لوازم الاحتياجات لمنزلنا وأذني مرهفة السمع إلى أفراد عائلتي، سمعت أصوات تذمر الأطفال تارةً ورجاءهم بدلال تارة أخرى يطلبون تشغيل التلفاز..

وبعد لحظات.. عدت لأرى  تبدد الهدوء والسكينة من وجه (وليد) وقد كساه قلق وترقب خيفةً...

جلست إلى جنبه...أشار على صغاره بالصمت لفترة وجيزة أو اللعب في مكان آخر...

عقله على بعد مسافات لم أدرِ كيف أتداركها؟؟

نهض من مكانه نحو الخزانة متوترا، حتى أسئلتي لم توقفه؟ بل انه لم ينتبه لوجودي الحائر:

-  حنان سأذهب للتسجيل في مراكز التطوع...حصل ما كنت أخشاه بعد احتلالهم مناطق في سوريا .

ابتسمت وقد طاف بقلبي شبح الخوف:-

-  ما بك يا وليد؟ لا داعي للقلق ثم نحنُ  انتقلنا للتو في منزلنا.

أخذ وليد نفس عميق ثم قال مقطب الحاجبين:-

-  أعلن المرجع الأعلى الجهاد الكفائي،لم يحدث هكذا أمر مسبقاً.. هذا يعني العراق  في حالة طوارئ... سأقدم أوراقي، لن أتأخر .

هم بالخروج مسرعاً بعد أن اخبرني تفاصيل ما سمعه من خطبة الجمعة عبر التلفاز..

 غادر ليترك الشياطين تتلاعب بعقلي، لتشحذ الغضب وتغرس أشواك التخيلات المسمومة في عاطفتي...

احتدم الصراع داخلي لأفقد السيطرة على نفسي عندما أنظر لأطفاله الصغار من لهم بعده...؟

انكسرت أشعة الشمس بألوانٍ أغاضتني، وأنا أراقبه خلف النافذة من غرفة المطبخ منتظرة رجوعه...أقتربَ خياله...عيناه امتلأت أحلام بعيدة جداً عني..

دخل مفعم بالنشاط والحيوية ملقيا سلاماً لملم به بقايا روحي المنكسرة خلال ساعات الغياب..

أخبرني انه سيلتحق صباحاً للتدريب وطلب تجهيز ملابسه العسكرية المخبئة منذ شهر... وهو يحاول أن يفهمني، أغلقت بوابة إدراكي عن الإصغاء إليه وثرت صارخة بغضب بين دمعٍ وتصبر:-

-  إلى أين تذهب؟ماذا سنفعل بعدك؟كيف سنعيش؟.

رميت ما بجعبتي دفعة واحدة عليه وبقي هادئاً ينثر كلامه بطيب أخلاقه

-  لا يوجد شيء،لا تقلقي ثم هذه فرصة لن تعوض، مرة واحدة في العمر أ تفهمين؟.

-  وإن استشهدت؟؟ ماذا  عنا؟

-   من أين أستشهد، والذنوب تكللني؟ ماذا تعرفين يا حنان عن الشهادة؟.

بعد شهر من التدريب المكثف ألتحق في سوح الجهاد ليعود ممتلئ بحكايا الانتصارات والصور التي ألتقطها مؤطرة بإرادة وقوة عزيمة...ضحكاته امتزجت مع ذلك  النور الغريب الذي علا محياه من لحظة دخوله لضريح  أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) متوسلا به إن لم يكن عليه ذنب يرزقه الشهادة...

ازداد يقيناً بثبات خطاه كمن يعرف العالم جيداً، كان مسالما وطيب الشمائل... بارا بأهله إلى أن فاحت أخلاقه بين الجيران وهو مذ عرفته هكذا، واليوم متأهب لتلبية نداء الدفاع عن المقدسات أضاف لرصيده بطاقة ارتقاء بالنفس لآخرته. 

 اشترينا قطع القماش السوداء لاقتراب شهر محرم الحرام، ثبتها بنفسه على جدران المنزل وفي الشارع المجاور.

انصرمت الأيام والوحشة تلتهم أسئلتي عن حاله...أجول عابثة..كلماته  تجول في ذاكرتي لتمكن الأرق من إجهادي:-

-         " ربما  لن أتدارك أربعينية الحسين (عليه السلام) هذه السنة "، هذا آخر ما سمعته منه قبل مغادرته..

بحثت عن هاتفي بين حاجياتي المبعثرة كمشاعري، اتصلت بوالدتي عساها تقنعه، فما زلت أحاول ومازال يهدم محاولاتي...

بعد لحظات أتصل بي..

-  لا تعملين ماذا فعلوا بالنساء؟ كيف تطلبين أن أتراجع؟ هؤلاء أحفاد يزيد دنسوا أرضنا وانتهكوا حرماتنا، ولا احد يعلم ماذا سيفعلون بالنساء الشيعيات مقارنة مع الايزيديات وغيرهن؟؟،مستحيل...سأدافع عن عرضي ووطني واحمي مقدساتي.

 أنهيت الحديث بشعور نغص لحظتي، احتضنت أغراضه بشوق، بدمعٍ سخي دعوت الله راجية عودته سالماً إلى أطفاله...

وفي يوم 13/11/2014

قبل المعركة أجتمع بهم شيخ يتلو على مسامعهم زيارة عاشوراء  ودعاء الندبة والفرج.. وبعد الانتهاء حذرهم من لمس شيء حتى لو رأى أحدهم إبرة وخيط ليرقع تمزق ملابسه فلا يفعل.. وكان هذا بالفعل.

لم يكن هناك مواجهة مباشرة لخبث وجبن مرتزقة داعش، فهم يخشون مواجهة أبطالنا الغيارى واعتادوا على تكلف عناء البناء لينصبوا الفخاخ المتفجرة لهم.. وأبشع وأدنى عمل خسيس لهم عندما وضعوا في زاوية كتاب الله المجيد فتلهف أحد الجنود لتقبيله  لينفجر عليه.

سلب التعب النوم منه، بعد أن آن فلول الأعداء، ألقى وليد سلاحه على مقربة منه ليجلب الماء للدواب في  منطقة شبه زراعية.... فقد تقدموا في التحرير حتى أحكموا سيطرتهم على سد ديالى... (العظيم)

تعالت أصوات الأهازيج الشعرية والتهنئة مع (18)جندي معه.

رن الهاتف أخيراً بعد ساعات من فقدان الأمل...

-  حنان..حررناها أتسمعين أصوات الرجال فرحين؟...اشتقت لكم 

قلت بصوت مبحوح من البكاء:-

-  الحمد لله إنكم بخير...أين أنت عنا؟ اليوم عيد.

-  العيد هنا  يا حنان...هذا عيدنا

اطمأن عليّ وعلى أطفاله وأخبرني انه سيعود قريباً...أنعشني  بلسم حديثه بعد اختناقي بتعداد الأيام دون وجوده...فحمدت الله متجهة بالصلاة لسلامتهم.  

بينما يحتفل وليد ورفاقه رأى  أحدهم مدرعة كتب  عليها (يا زهراء) ورفع  العلم العراقي فوقها...نبضت القلوب  مندفعة بتواضع وقور نحو ذلك الاسم الذي حدثني وليد عنه و اكتفى بقول:-

-  لا يعرف معناه  غير من نزلوا بساحة القتال وأذنوا  به...ليتك تعلمين ماذا تعني لنا (يا زهراء)؟.

رفرفت روح وليد مشتاقا ليقبل أسم الزهراء فقال:-

- لابدّ  أنهم  منا.

ركضوا نحوها.. لآخر لحظة ارتاب وليد لسرعتها الانتحارية فأطلقوا النار... اقتربت أكثر منهم وانفجرت...

هكذا الحرية خطت بدماء طاهرة، عانق السماء وقضى نحبه...ليعود لي أشلاء ممزقة.

قبل رحيله أعطاني  (كارت خاص) لاحتفظ به ومنه نسخة أخرى معه، فإن استشهد  سيتعرفون عليه من ذلك الـ  (كارت) ان فقدوه... رفضت أخذه  وسماع ما قاله..قمت بتجاهله...هكذا المرء دوماً يخشى ان يفقد أحبائه...

بعد استشهاده مع رفاقه معاً وتناثر أشلاءهم تم التعرف على (وليد) من ذلك (الكارت) كم وجدوا هويته كما هي وكأنها مولودة حديثاً

اليوم الثالث بعد رحيله..

وجهي شاحب، رحيله البعيد نخر عافيتي حتى غفوت منكمشة على جسدي وتدثرت  بملابسه دون وعي..علق عطره بيدي، قربتها لأنفاسي...عله سيأتي  ويكون هذا  حلم...أو  كابوس ...؟ غفوت بعدها لأرى امرأة وقور تخاطبني

-  "وليد علي عبد" عندنا  شهيد...فأنهضي ولا تبكِ...وهذه الورقة لك.

كانت كلماتها قد طببت جرحي لأواصل المسير فما زال خلفه ثلاثة صبيان مسؤوليتي..

جثت على صدري أيام ثقيلة لم اعرف مثلها في حياتي....اليوم لا يرحل ابدا ومهما حاولت الهرب أجدني في دقائقه الأبدية...

-  هل  ترين هذهِ الطائرة؟.

خطفت من  أمام  أعيننا بأقل من رمشة عين..

-  هذهِ هي الدنيا يا حنان؟.

هذا ما قاله لي في  الحلم.

استيقظتُ من منامي ومازلت  أقول  متى  نلتقي يا وليد؟.

 

إيناس حسن / مركز الحوراء