×
العربيةفارسیاردوEnglish
× البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

خطب الجمعة


الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في ١٤/ ربيع الثاني/١٤۳۸ هـ الموافق ١۳/ ١/ ۲٠١۷

الدينية
السياسية
مشاركة

الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 14/ربيع الثاني/1438هـ الموافق 13/1/2017م:

 

سبق ان ذكرنا ان نظام الانفاق في الاسلام عالج الكثير من المشاكل الاجتماعية للفرد والمجتمع ومنها مشكلة الفقر.. ويضع حلولاً لظاهرة التباين الطبقي الاجتماعي كما انه يؤسس للتكافل الاجتماعي ويطهر النفس من عدة رذائل نفسية واخلاقية ويشيع روح المحبة والتوادد والتقارب بين الناس ويقوي القدرة الدفاعية للمجتمع الاسلامي..

ولأهميته حثت الشريعة الاسلامية من النصوص القرآنية والاحاديث الشريفة على البذل والانفاق للمال ورغّبت في ذلك بأساليب متعددة وقد ذكرنا بعض النصوص في بيان ذلك..

ولابد ان نشير الى ان الانفاق على قسمين: انفاق واجب يأثم الشخص بتركه وانفاق مندوب يثاب على القيام به.

ومن الانفاق الواجب اخراج ما في الاموال من الزكاة والخمس، والانفاق على واجبي النفقة من الابوين والزوجة والاولاد، والانفاق على الاخ المسلم بطعام او دواء او غير ذلك لحفظ حياته مثلا ً والانفاق لحفظ بلاد المسلمين واعراضهم وما ماثل ذلك.

وقد ورد في القران الكريم اساليب متنوعة في الحث على الانفاق بقسميه الواجب والمندوب، فمن جملة الأساليب القرآنية للحث على الانفاق الواجب: التخويف من عدم البذل والوعيد على ذلك..

كقوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) – سورة آل عمران-.

فهؤلاء الذين يبخلون بهذه الاموال قد وقعوا في اوهام متعددة بسبب انقلاب المفاهيم لديهم ومنها:

1- ان البخيل يتصور ان عدم الانفاق وجمعه للمال سيكون خيراً له لأنه سيوفر هذا المال لنفسه رصيداً يتمتع به ويدخره الى ايام سيكون في حاجة اليه او ليوسع على نفسه ومتعلقيه في حاجاته الحياتية ورفاهيته..

2- يتصور ان هذا المال ماله وقد جمعه بتعبه ونشاطه فلا حق لغيره فيه..

وتوضح الآية الكريمة خطأ هذه التصورات والظنون وتعكس المفاهيم لدى البخيل بماله فتبين ان هذا الشُّح سيكون وبالا ً عليه ويتحول الى شر حيث يطوق ما بخل به في يوم القيامة وأما التوهم الثاني فترفعه الآية الكريمة بأن المال مال الله تعالى وقد تفضل به عليهم فلله ملك السموات والارض يهب ويرزق عباده بحسب ما يشاء ويمنعه ممن يشاء وفي النهاية سينتقل ما جمعه وبخل له لوارثه ولا يأخذ منه شيئاً..

ومن جملة الاساليب القرآنية التأنيب والتوبيخ على عدم الانفاق.. منها قوله تعالى: (هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) – سورة محمد-.

فالآية الكريمة تبتدئ المخاطبة مع الذين يبخلون باسلوب حكيم حيث تقول (تدعون) فالله تعالى يدعوكم وبدلا ً من ان تحصل منكم الاستجابة لله تعالى في دعوته وتسرعون لكسب الخير ونيل الجزاء وتستنهضون هممكم وتسترحمون قلوبكم للفقراء فإن استجابتكم هي الشح بمال الله على عياله وبخلكم هذا انما ينعكس عليكم من الخسران للصفقة الرابحة مع الله تعالى وهو عزوجل لا حاجة له بالمال تنفقونه بل انفاق المال يعود بنفعه عليكم..

 

المحور الرابع: شروط الانفاق وآدابه:

سبق ان بينا ان بعض غايات الانفاق هي تهذيب النفس وتنقيتها من شوائب الشح والبخل وحب الدنيا وترويضها على صفات ممدوحة من الجود والسخاء والاحساس بآلام الفقراء والمعوزين وانبعاث الرحمة من القلب تجاه الطبقة الفقيرة اضافة الى غاية اشباع حاجات الفقراء وحل مشاكلهم..

فهي تجمع بين غايات معنوية وغايات مادية..

فنظام الانفاق يبتغي من صاحب المال ان يتحسس آلام الاخرين ويعيش مشاكلهم كما لو كان هذا الحال قد حل بنفسه واسرته وان يشعر بأن ما اعطاه الله تعالى من مال ليس له فقط بل له وللاخرين من افراد مجتمعه وبالتالي يصل الى ما يريده الاسلام منه من تهذيب للنفس وصقل لصفاتها الحسنة وترويض على فعل الخير..

فلابد من رعاية مشاعر الاخرين وحفظ كرامتهم ليكمل الجانب المعنوي اضافة للجانب المادي وليشعر الفقير انه لا يمد يداً للغني ليشبع حاجته بل الى اخ يتحسس آلامه ويسعفه في حاجته..

ولذلك وضعت الشريعة الاسلامية لتحقيق هذه الغايات واستكمال العملية الانفاقية لأهدافها شروطاً منها:

1- قد التقرب الى الله تعالى بالانفاق: قال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) – سورة البقرة-.

فاذا اراد المنفق ان يزكو ماله وينمو ليحصل من وراء ذلك على الثواب الاخروي فلابد ان يقدّم ماله طلباً لمرضاة الله تعالى، لا لغرض آخر من رياء او التماس الشهرة او الجاه او ليسجل لنفسه على الفقير فضلا ً فيرد عليه جميله بأن يقوم بخدمة مقابل ذلك..

2- الانفاق من المال الطيب والجيد: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) – سورة البقرة-.

وحيث ان الانفاق احسان من المعطي الى الفقير وتعاطف وتراحم بين افراد المجتمع وهو مواساة للفقير في محنته وتضميد لجراحه فإن الخلق الاسلامي الرفيع يقتضي ان يكون هذا التراحم وهذه المواساة على النحو الاحسن لتؤثر أثرها الطيب في نفوس الضعفاء والمحرومين ليشعر كل فرد منهم بالعطف والمشاركة لهم من الاغنياء في الطيب من العيش بدلا ً من اشعاره عند انفاق الردئ ان المحسن انما انفق ليتخلص من ماله الرديء فيترك ذلك الاثر السيء في نفسه..

وهناك طرف ثالث في عملية الانفاق بينته بعض الايات القرانية وهو الله سبحانه وتعالى حيث هو يأخذ الصدقة وتقع في يده قبل يد الفقير.. وان الاعطاء عبارة عن صفقة تجارية مع الله تعالى فهل يصح ان يوقع في يد الله تعالى الرديء من ماله وان يتعامل مع تجارته مع الله تعالى بهذا الرديء الذي لا يقبل احدٌ ان يأخذه ومنهم الفقير إلا ان يغمض عينيه ويطرق برأسه مضطراً الى ذلك.

3- ان لا يتبع العطاء بالمن والاذى: قال تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) – سورة البقرة-.

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) – سورة البقرة-.

ويستفاد من هذه الآيات ان الانفاق في سبيل الله تعالى انما يكون مرضياً لله تعالى ويتقبله لو كان المنفق يحسن ويعطي عطاءه غير مقرون بالمن والاذى.. فينقلب الاحسان الى اساءة والخير الى شر بل لابد ان يكون الانفاق محافظاً على كرامة الانسان الفقير ورافعاً لمعنوياته وجابراً لخواطره ليفهم ان العملية انما هي تعاون بين افراد الاسرة الواحدة وتراحم وتعاطف بينهم لا انها اعتداء واستكبار وعلو للبعض على الاخرين.. فكرامة الانسان وحفظ ماء وجهه اغلى بكثير من أيّ مال وثروة..

فلو ان الغني والمحسن بصورة عامة جابه المحتاج حين اعطائه بحالة تدل على تكبره واستعلائه وتفاخره بما يقدمه او يوجه اليه كلمات خشنة وجارحة للمشاعر فيقول (مثلا ً):

ألم أعطك؟ ألم أحسن إليك؟ كم أنت لحوح؟ ولماذا لا تذهب وتعمل وتتكسب؟ أو لو لا احساني اليك لكانت حالك كذا وكذا او ما يشبه ذلك من الالفاظ الجارحة لنفسه ومشاعره..

او ربما يطلب منه اعمالا ً او خدمة مقابل ذلك تسبب له التعب والمشقة..

فكل ذلك مما يوجب ابطال الصدقة بل لابد من اعطائه أما خال ٍ من هذه الامور المؤذية او بالاعتذار بكلام طيب وهادئ ومؤدب كأن يقول: (رزقنا الله تعالى واياك من فضله) وما شاكل ذلك..

ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من اسدى الى مؤمن معروفاً ثم آذاه بالكلام او منّ عليه فقد أبطل صدقته).

ثم ان النهي عن المن والاذى لا يكون مقصوراً على حال الانفاق ووقته بل يمتد الى ما بعده حتى وان كان بعد فترة طويلة كالشهور والسنين وذلك لأن الشريعة الاسلامية تريد لهذا الانفاق ان تحصنه وتهذبه في جميع الاوقات وتجعله خلواً من آثاره الضارة والسيئة.

يضاف الى هذا ان عدم المن والاذى لا يكون محصوراً بالتصدق على الفقراء بل يشمل كل انفاق من الوجوه الاخرى كالانفاق في سبيل الجهاد وطلب العلم والمشاريع الخيرية..

فلا يصح من المنفق في مثل ذلك ان يمن ويؤذي الشرائح الاجتماعية المختلفة المنتفعة من هذه الاعمال الخيرية..

ومن ذلك ان لا يتفاخر على الآخرين ويتباهى بكثرة انفاقه وصدقاته ليظهر مزيته وأفضليته عليهم..

 

آداب الانفاق:

قال تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) – سورة البقرة-.

وذلك بأن تكون الصدقة والانفاق سراً فالعطاء الى المحتاج سراً أفضل من الاجهار والاعلان به فصدقة السر تحقق مجموعة من المعطيات المهمة منها انها تجنب المعطي محذور الوقوع في الرياء وغيره كاظهار الفضل على الاخرين واراقة ماء الوجه.. فصدقة السر تحفظ للفقير والمنفق عليه كرامته ولا تجرح شعوره اذا كثير من الناس لا يقبلون ان تهدر كرامتهم ولو كان ذلك من طريق الاحسان اليهم فلا يريدون ان يعرفوا امام الاخرين انهم اصحاب حاجة وعوز..

مضافاً الى ان صدقة السر تطفئ غضب الرب وتنفي القر وتزيد في العمر وتدفع سبعين باباً من البلاء وغير ذلك مما ورد في الاحاديث الشريفة..

ورد في الحديث: (سبعة يظلهم الله يوم القيامة يوم لا ظل الا ظله – منها- ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم يمينه ما تنفق شماله).

 

موانع الانفاق:

وقد ذكرت الايات القرانية التي استعرضناها سابقاً موانع الانفاق ومنها:

1- بعض الصفات الرذيلة الناشئة من التعلق بالدنيا والتكالب على حطامها والذي ينشأ منه حب المال والتشبث بالحفاظ عليه فلا ترضى نفسه بانفاقه فتترسخ في نفسه صفة البخل والشح.

2- ومنها صفة الانانية وحب الذات فمن حبه لنفسه لا تطاوعه ان يجعل الخير لغيره بانفاق المال عليه.

3- ومن ذلك خوف الفقر والحاجة فيعتقد المنفق ان انفاقه سينقص من ماله وقد يعرضه للعوز والحاجة مستقبلاً.

قال تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ً والله واسع عليم).

تشير الاية الى احد الموانع المهمة للانفاق وهو الوساوس الشيطانية التي تخوّف الانسان من الفقر والعوز وخاصة اذا اراد التصدق بالاموال الطيبة والمرغوبة فقد يقول الشيطان للمنفق: لا تنسوا احتياجاتكم ومستقبل اولادكم وتدبروا في مستقبلكم وكثرة حاجاتكم وامثال ذلك من نقص اموالكم والخوف من الفقر..

 

الاعتدال في الانفاق:

لقد اخذ الاسلام في جميع انظمته الاعتدال كميزان للامور الصحيحة والمنظمة لشؤون الحياة الاقتصادية والاجتماعية وحتى الاخلاقية ومن ذلك حث على الاعتدال في الانفاق..

الاعتدال في الانفاق فمن جهة لا يسرفون في الانفاق فالمال الذي اعطاه الله لهم له موازين وقواعد للصرف لأن فيه حقوق للاخرين من الاهل والعيال والارحام والورثة فلابد من رعايتهم لئلا يترك عياله في حال الحاجة والعوز..

ولا يقتروا لأن المال مال الله تعالى رزقه اياه لينتفع به وفي الوقت نفسه ينتفع به الاخرون من افراد المجتمع لا ليحبسه ويحجر عليه..فمطلوب منه ان يكون في حال الاعتدال والوسطية..

وفي نفس الوقت يحث الاسلام على عدم التبذير واتلاف المال بغير وجه مقبول شرعاً وعقلا ً فالمال هو حصيلة جهد وعناء وتفكير وقد يشترك فيه افراد كثيرون من المجتمع وهو طاقة لابد وضعها في محلها ليستفاد منها..

واما تبذيره بالصرف على وجه لا يحقق الغرض فهو هدرٌ لجهده وجهود آخرين.

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة