×
العربيةفارسیاردوEnglish
× البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

مَنْ هُوَ أوّلُ مَنْ زارَ قبرَ الإمامِ الحسينِ (عليْهِ ‌السّلامُ) يومَ الأربعينَ

قال السيّد ابن طاووس:   (قال الراوي: ولما رجع نساء الحسين (عليه ‌السلام) وعياله من الشام وبلغوا إلى العراق، قالوا للدليل: (مُرَّ بنا على طريق كربلاء) فوصلوا إلى موضع المصرع) (١).

وقال السيّد محمّد بن أبي طالب: (فسألوا أن يُسار بهم على العراق؛ ليُجدّدوا عهداً بزيارة أبي عبد الله - عليه ‌السلام -) (٢).

وقال القندوزي: (ثمّ أمرهم  - يزيد - بالرجوع إلى المدينة المنوّرة، فسار القائد بهم، وقال الإمام والنساء للقائد: بحقّ معبودك أن تدلُّنا على طريق كربلاء، ففعل ذلك حتّى وصلوا كربلاء) (٣).

ولا غرابة في الأمر، فإنّ يزيد - كما روى ابن سعد في طبقاته - أمر الرُّسل الذين وجّههم معهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا ومتى شاءوا (٤).

 -مَنْ هو أوّل زائر لقبر الحسين (عليه ‌السلام)؟

روى ابن نما عن ابن عائشة قال: مرّ سليمان بن قتّة العدوي مولى بني تميم بكربلاء بعد قتل الحسين (عليه ‌السلام) بثلاث، فنظر إلى مصارعهم، فاتّكأ على فرس له عربيّة، وأنشأ:

مـررت عـلى أبـيات آل محمّد  فـلم أرَهـا أمـثالها يـوم حلَّت

ألم ترَ أنّ الشمس أضحت مريضةً  لـفقد حـسين والـبلاد اقشعرّت

وكـانوا رجـاءً ثمّ أضحوا رزيّة  لـقد عـظمت تلك الرزايا وجلّت

وتـسألنا قـيس فـنعطي فقيرها  وتـقتلنا قـيس إذا الـنعل زلّت

وعـند غـنيٍّ قـطرة من دمائنا  سـنطلبهم يـوماً بها حيث حلّت

فـلا يُـبْعِد الله الـديار وأهـلها  وإنْ أصـبحت منهم برغم تخلَّت

فـإنّ قـتيل الطفّ من آل هاشم  أذلّ رقــاب الـمسلمين فـذلّت

وقـد أعـولت تبكي السماء لفقده  وأنجمنا ناحت عليه وصلّت (4)

قد يستدِلّ القائل بهذه الرواية أنّ سليمان بن قتّة العدوي هو أوّل مَن زار قبر الحسين (عليه ‌السلام) حيث صرّح ابن نما أنّه زاره بعد قتل الحسين (عليه ‌السلام) بثلاث.

وفيه:

أوّلاً: هذا ممّا لم يقله أحد فيما نعرفه.

ثانياً: إنّ هذا القيد ممّا تفرّد به ابن نما، وأمّا بقيّة أرباب السير والتواريخ، فقد اكتفوا بذكر رثاء سليمان من دون أن يُقيّدوا ذلك بيوم (5)، ولا مكان (6).

ثالثاً: الرواية تدلّ على مروره بكربلاء ونظره إلى مصارعهم، والمرور بها والنظر إلى المصرع أعمّ من أن يكون ذلك بقصد الزيارة أم لا، فهذا يختلف عمّا إذا نوى شخص زيارة قبر أبي عبد الله (عليه ‌السلام)، فـ (إنّما الأعمال بالنيّات) (8)، وإنّما (لكلّ امرئٍ ما نوى) (9).

رابعاً: إنّ لفظ المصرع أعمّ من أن يكون ناظراً إلى مكان استشهادهم، أو إلى أجسادهم المطهّرة التي كانت مُلقاة على الأرض، فهناك إجمال في هذه الناحية، إذ لو كان ذلك قبل دفن الأجساد المطهّرة فلا ينطبق عليه عنوان زيارة القبور، فشأنه شأن بني أسد الذين شاركوا في تدفين الشهداء، كما روي ذلك.

خامساً: إنّ في بعض الروايات أنّه قال ضمن تلك الأبيات:

وأنّ قتيل الطفّ من آل هاشم  أذلّ رقاباً من قريش فذلّت

فقال له عبد الله بن حسن بن حسن: ويحك ألا قلت: أذلّ رقاب المسلمين فذلّت؟! (10).

فلو علمنا أنّ عبد الله بن الحسن لم يكن حاضراً في كربلاء في اليوم الثالث، فهذا يعني أنّه أنشدها مُتأخّراً، إلاّ أن يُقال: إنّه كرّر ما أنشده سابقاً بعد ذلك، واعترض عليه عبد الله بن الحسن المثنّى!

فالمتحصّل من جميع ذلك أنّه لا نتمكّن أن نُعرِّف سليمان بكونه أوّل مَن زار قبر الحسين (عليه ‌السلام).

نعم ربّما نتمكّن من أن نقول: هو أوّل مَن رثاه - من الشعراء - بعد مقتله (عليه ‌السلام)، وقد كسب بذلك لنفسه شرفاً لا يُنكر، خاصّة مع لحاظ ذلك الزمن المخوف، وغلبة الجور والظلم على الناس؛ ولأجله نرى أهمّيّة ما نقله أبو الفرج الإصبهاني - بعد ذكره الأبيات - بقوله: وقد رثى الحسين بن عليّ - صلوات الله عليه - جماعة من متأخّري الشعراء. وأمّا مَن تقدّم فما وقع إلينا شيء رُثي به، وكانت الشعراء لا تُقدِم على ذلك مخافة بني أُميّة وخشية منهم) (١).

فحينئذٍ لا ينطبق هذا العنوان إلاّ في رجل شريف ذي معرفة كاملة وهو ذلك الصحابي الجليل والعارف النبيل (جابر بن عبد الله الأنصاري) - رضوان الله عليه - الذي رحل من المدينة المنوّرة إلى كربلاء؛ لأجل زيارة سيّد الشهداء (عليه ‌السلام)، فقد صرّح كثير من العلماء بكونه هو أوّل مَن اكتسب شرف عنوان زائر قبر الحسين (عليه ‌السلام)، وكفاه شرفاً وكرامة وذخراً.

قال الشيخ المفيد: (وفي اليوم العشرين منه - صفر-... هو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله بن حزام الأنصاري صاحب رسول الله (صلى‌الله‌ عليه‌ وآله)، ورضي الله تعالى عنه من المدينة إلى كربلاء؛ لزيارة قبر سيّدنا أبي عبد الله (عليه ‌السلام)، فكان أوّل مَن زاره من الناس) (1٢).

وبه قال الشيخ الطوسي (1٣)، والعلاّمة الحلّي (1٤)، والشيخ رضيّ الدِّين علي بن يوسف بن المطهّر الحلّي (15)، والكفعمي (1٦)، والمجلسي (1٧)، والمحدّث النوري (18) وغيرهم.

-جابر بن عبد الله الأنصاري وعطيّة العوفي في كربلاء:

جابر بن عبد الله هو ذلك الصحابي الجليل الذي روى عنه عبد الرحمن بن سابط قال: (كنت مع جابر، فدخل الحسين بن علي، فقال جابر:

مَن سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة؛ فلينظر إلى هذا، فأشهدُ لسمعت رسول الله (صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله) يقوله) (19).

فهو من أهل المعرفة، فإن فاتته السعادة بفوز الشهادة في ركاب سبط خاتم الرسالة، فليس بغريب عنه أن يشدّ الرحال لزيارة قبره الشريف إبرازاً إيّاه ومخالفته للسلطة، وتجديداً للعهد والوفاء.

روى الشيخ أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم محمّد بن علي الطبري بإسناده عن الأعمش عن عطيّة العوفي قال:

(خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائرين قبر الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه ‌السلام)، فلما وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات، فاغتسل، ثمّ ائتزر بإزار، وارتدى بآخر، ثمّ فتح صرّة فيها سِعْدٌ، فنثرها على بدنه، ثمّ لم يخطُ خطوة إلاّ ذَكر الله تعالى، حتّى إذا دنا من القبر قال: ألمسنيه (٢0)؛ فألمسته، فخرّ على القبر مغشيّاً عليه، فرششت عليه شيئاً من الماء، فلما أفاق قال: (يا حسين) ثلاثاً، ثمّ قال: حبيب لا يُجيب حبيبه؟!

ثمّ قال: وأنّى لك بالجواب؟! وقد شُحطت أوداجك على أثباجك، وفُرِّق بين بدنك ورأسك، فأشهد أنّك ابن خاتم النبيّين، وابن سيّد المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيّد النقباء، وابن فاطمة سيّدة النساء، وما لكَ لا تكون هكذا؟! وقد غذّتك كفّ سيّد المرسلين، ورُبيّت في حجر المتّقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفُطمت بالإسلام، فطبت حيّاً، وطبت ميّتاً، غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبة لفراقك، ولا شاكّة في الخيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه، وأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا.

ثمّ جال بصره حول القبر وقال: السلام عليكم أيّتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين، وأناخت برحله، وأشهد أنّكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتّى أتاكم اليقين، والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً، لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

قال عطيّة: فقلت له: يا جابر، كيف! ولم نهبط وادياً، ولم نعلُ جبلاً، ولم نضرب بسيف، والقوم قد فُرِّق بين رؤوسهم وأبدانهم، وأُوتمت أولادهم، وأُرملت أزواجهم؟!

فقال: يا عطيّة، سمعت حبيبي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) يقول: (من أحبّ قوماً حُشِر معهم، ومَن أحبّ عمل قوم أُشرك في عملهم). والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً، إنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه الحسين (عليه ‌السلام) وأصحابه، خُذْني نحو أبيات كوفان.

فلما صرنا في بعض الطريق قال: يا عطيّة، هل أوصيك وما أظنّ أنّني بعد هذه السفرة مُلاقيك، أحبب مُحبَّ آل محمّد (صلى‌الله‌ عليه‌ وآله) ما أحبّهم، وابْغُضْ مُبغض آل محمّد ما أبغضهم وإنْ كان صوّاماً قوّاماً، وأرْفِق بمُحبّ محمّد وآل محمّد، فإنّه إن تزلّ له قدم بكثرة ذنوبه ثبتت له أُخرى بمحبّتهم، فإنّ مُحبّهم يعود إلى الجنّة، ومُبغضهم يعود إلى النار) (21).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الملهوف: ٢٢٥.

(٢) تسلية المجالس: ٢/ ٤٥٨.

(٣) ينابيع المودّة: ٣/ ٩٢.

(٤) الطبقات (ترجمة الإمام الحسين (عليه ‌السلام) من القسم غير المطبوع): ٨٤.

(4) مُثير الأحزان: ١١٠، عنه بحار الأنوار ٤٥/ ٢٩٣.

(5) انظُر: تذكرة الخواصّ: ٢٧٢ (وفيه: وذكر الشعبي وحكاه ابن سعد أيضاً قال: مرّ سليمان بن قتّة بكربلاء، فنظر إلى مصارع القوم فبكى حتّى كاد أن يموت ثمّ قال...)، الملهوف: ٢٣٣ (وفيه: وقد بكى على المنازل المشار إليها فقال...)، ينابيع المودّة ٣/ ١٠٠ (وفيه: وقف سليمان على مصارع الحسين وأهل بيته (رضي الله عنهم)، وجعل يبكي ويقول...).

(6) انظر: الطبقات: ٩٢ (ترجمة الإمام الحسين (عليه ‌السلام) من القسم غير المطبوع)، مقاتل الطالبيين: ١٢١، أنساب الأشراف ٣/ ٤٢٠، المناقب ٤/ ١١٧، مروج الذهب ٣/ ٦٤، تهذيب الكمال ٦/ ٤٤٧، سير أعلام النبلاء ٣/ ٣١٨، الاستيعاب ١/ ٣٧٩، البداية والنهاية ٨/ ٢١٣، جواهر العقدين ٢/ ٣٣٣.

(8 و9) ميزان الحكمة ١٠/ ٢٧٧، ح٢٠٦٦١ وح٢٠٦٦٢.

(10) الطبقات: ٩٢ (ترجمة الإمام الحسين (عليه ‌السلام) ومقتله من القسم غير المطبوع)، تذكرة الخواص: ٢٧٢.

(11) مقاتل الطالبيين: ١٢١.

(12) مسار الشيعة: ٤٦.

(13) مصباح المتهجّد: ٧٣٠.

(14) منهاج الصلاح على ما في لؤلؤ ومرجان: ١٤٧.

(15) العدد القويّة: ٢١٩ رقم ١١، عنه بحار الأنوار ٩٨/ ١٩٥.

(16) مصباح الكفعمي: ٤٨٩.

(17) بحار الأنوار/ ١٠١/ ٣٣٤.

(18) مستدرك الوسائل ٣/ ٥٨٠.

(19) مقتل الخوارزمي ١/ ١٤٧ وانظر ذخائر العُقبى: ١٢٩، تاريخ الإسلام للذهبي ٣/ ٨، سير أعلام النبلاء ٣/ ١٩٠، نظم درر السمطين: ٢٠٨، البداية والنهاية ٨/ ٢٠٦، مجمع الزوائد ٩/ ١٨٧، إسعاف الراغبين: ٢٠٦، ينابيع المودّة: ٢٢٢، نور الأبصار: ١١٦، مشارق الأنوار للخمراوي: ١١٤، أرجح المطالب: ٢٨١، كذا في إحقاق الحقّ ١١/ ٢٨٩ - ٢٩١.

(20) يُمكننا أن نعد هذا علّة عدم حضور جابر بن عبد الله في وقعة الطف إذ المستفاد من هذه العبارة أنّه كان مكفوف البصر حينذاك، فيكون معذوراً، ويؤيّد ذلك ما رواه ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) (١/ ٢١٤) في قضية وقعة الحرّة بقوله: (وكان جابر بن عبد الله يومئذٍ قد ذهب بصره...)، ومن المعلوم أنّ الفاصل الزمني بين وقعة الطف ووقعة الحرّة لم يكن إلاّ ما يُقارب سنة.

(21) بشارة المصطفى: ٧٤. وروى نحوه مقتل الخوارزمي (٢/ ١٦٧) مُسنداً بتفاوت يسير.