×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

هل تأثر الخطاب الحسيني بعوامل المكان والزمان...؟

بقلم: الدكتور عبد الكاظم محسن الياسري
 
لم يكن المقام الذي قيل فيه الخطاب الحسيني متماثلاً ولا مقاماً اعتيادياً، لم يكن المقام متماثلاً لانه قيل في أماكن مختلفة وعبر فيه الإمام عن أهداف متنوعة، لقد بدأت مسيرة هذا الخطاب في المدينة وحين انتقل الإمام منها إلى مكة وأقام فيها اتخذ خطابه مساراً محدداً، وحين عزم على مغادرة مكة والمسير إلى العراق حدث تغير في المسار العام لهذا الخطاب وأصبح مرتبطاً بالأحداث التي قيل فيها، ويمكن ان نجد مثل هذا حين وصل الإمام إلى كربلاء وأمر أصحابه بالنزول فيها، ويمكن القول: إن اختلاف الاماكن التي مر بها الإمام الحسين والأحداث التي واجهت مسيرته أسهمت بشكل كبير في اختلاف المقام بين خطاب وآخر، أمّا كون المقام غير اعتيادي فلأنه مقام اعداد لثورة ودفاع عن عقيدة وتغيير مجتمع بدأ ينسلخ من دين الإسلام ويتجه اتجاهاً مغايراً، ومن هنا تأتي إشارة الإمام الحسين في واحد من خطاباته إلى انه يدعو إلى إحياء السنة وإماتة البدعة التي بدأت تسود في أوساط المجتمع الإسلامي في ظل الحكم الأموي.
وبصرف النظر عن تعدد المقامات في أجزاء الخطاب الحسيني وارتباط كل خطاب بالمكان والظرف الذي قيل فيه؛ فان الخطاب الحسيني في معركة الطف بمختلف أجزائه يرتبط بمقام عام هو الثورة ضد الظلم والفساد والانحراف والباطل، ومن هنا نجد الإمام الحسين يركز في مجمل خطابه وبمختلف الأبعاد التي يمثلها على أمور من أهمها.
1 - الوعظ والارشاد من أجل العمل بمبادئ الدين الإسلامي والحفاظ عليها.
2 - التزهيـد في الدنيا و الدعوة إلى عدم الاغترار بها لانها لا تدوم على حال، والدعوة إلى العمل من أجل الآخرة.
3 - كشف الحقيقة التي يمثلها الحكام الامويون، وبيان أعمالهم السيئة أمام المسلمين.
4 - الترغيب في الجهاد والثورة ضد الظلم والظالمين ونصرة الحق وأهله.
5 - الدعوة إلى نصرة الدين الإسلامي وإحياء مبادئ الرسالة المحمدية بعد أنْ بدأ الناس بالانحراف عنها وإحياء البدع وإماتة السنن.
 
6 - كشف الأهداف التي ثار من أجلها وامتنع عن إعطاء البيعة ليزيد مركزاً على أنّ الهدف الأساس من خروجه ودعوته هو طلب الإصلاح في امة جده، ومن هنا فهو لا يبالي بما يحصل من نتائج في سبيل تحقيق هذا الإصلاح وان كانت حياته ومن معه هي الثمن وهذا ما حصل فعلاً.
وفي هذه المقامات التي يجمعها مقام عام صاغ الإمام تراكيب خطابه في مراحله المختلفة، وقد اتضحت في أسلوب هذا الخطاب ودلالاته أبعاد مختلفة مثلت البناء العام لهذا الخطاب والمنطلقات التأسيسية لأفكاره العامة بوصفه مدرسة يفيد منها المتلقي في مختلف ميادين الحياة، ويمكن تحديد أهم هذه الأبعاد بما يأتي.
1- البعد التوحيدي
الإمام الحسين حامل رسالة وإمام معصوم، وهو مؤمن بإرادة الله راض بما يقدره عليه، يلتجئ إليه في كل الامور ويستمد منه العون، وقد مثل هذا الاتجاه مساحة كبيرة من بنية الخطاب الحسيني، وتضمنت بنية خطابه كثيراً من التراكيب التي تعبر عن الإيمان بوحدة الله والرضا بقضائه وتسليم الأمر إليه، ويمكن أن نجد ظلالاً من معاني الوعظ والإرشاد في هذا الاتجاه، يقول:
«رضا الله رضانا أهل البيت رضىً بقضائك وتسليماً لامرك لا معبود سواك يا غياث المستغيثين».
وتبدو نزعة التوحيد واضحة في هذا النص، وفي كثير من النصوص نجده يشير إلى اعتصامه بحبل الله وتوكله عليه وهو يحتسب كل شيء عنده، ويمكن أن نجد كثيراً من الصور التي تمثل هذا البعد في خطاب الإمام الحسين[1]، ويمكن القول: إن هذا هو الذي يمثل الاتجاه الغالب في بنية الخطاب الحسيني.
2- البعد الحماسي
الخطاب الحسيني خطاب ثورة، وخطاب معركة فلا غرابة ان يمثل البعد الحماسي جانباً كبيراً من بنية هذا الخطاب سواء أكان ذلك فيما قاله أم فيما تمثل به، ذلك أن خطاب الحرب والقتال وما ينصرف إليه من دلالات تمثل الدفاع عن الهدف وإقناع السامع بما يقوله المنشئ، كل ذلك يتطلب توافر الخطاب على جانب حماسي، ويبدو ذلك واضحاً في مختلف مراحل خطابه ويزداد بروز هذا البعد خلال المعركة، وغلبة هذا الجانب هو ما يتطلبه المقام العام الذي قيل فيه الخطاب، لأن مثل هذا المقام لا يجوز فيه إظهار الضعف والاستسلام في مخاطبة العدو فيجعله طامعاً في المزيد، ومن هنا كان من الواجب إظهار الحماس والقوة والشجاعة في الخطاب والابتعاد عن مبدأ الخضوع، لذا نجد التراكيب التي تمثل هذا البعد تسيطر على كثير من فقرات الخطاب الحسيني، أو ما تمثل به من كلام العرب، وقد وصف الإمام الحسين بانه «سيد أهل الإباء»[2]، لقد كان هذا الوصف دقيقاً في بيان موقف الإمام في معركة الطف، فقد وقف شامخاً أبياً صامداً في أرض كربلاء ورياح الحرب تعصف حوله من كل جانب، وظل كذلك حتى آخر لحظة من حياته، قال في المعركة مرتجزاً.
الموت اولى من ركوب العار *** والعار أولى من دخول النار
وصرخته الخالدة «هيهات منا الذلة» تجسد أعظم صورة للإباء ورفض الخضوع مهما كانت النتيجة، وموته بعز أفضل من حياة بذل، «لا ارى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما».
ويمكن أن نلمح صورة رائعة من صور الحماس التي تمثل أعظم رمز للعزم والصمود في قوله:
«والله لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أُقر لكم إقرار العبيد».
انه قسم عظيم على رفض الظلم والذل والخضوع يقف السامع مبهوراً أمامه.
وقد يدخل في تصوير البعد الحماسي ما تمثل به الإمام الحسين من كلام العرب في إثناء خطابه ومنه قول الشاعر.
فإن نهزم فهزامون قدمـاً *** وإنْ نهزم فغيـر مهزمينـا
ومــا إن طبنـا جبن ولكن *** منـايانا ودولـــة آخـرينـــا
ان ما تقدم يمثل جانباً من التراكيب التي تمثل البعد الحماسي في خطاب الإمام الحسين في معركة الطف، ويمكن أن نجد شواهد كثيرة تمثل هذا البعد من أهمها؛ ذلك الموقف الرائع الذي وقفه الإمام الحسين وحيداً وسط المعركة صامداً أمام مئات السيوف والرماح والرجال والفرسان انها صورة لا يمكن أن يصورها القلم، هذا فضلاً عما قاله وارتجز به في أثناء القتال.
3- بعد الرفض
 
لم يكن الرفض في الخطاب الحسيني بعيداً عن الواقع الاجتماعي والسياسي والديني الذي كان سائداً في عصره، ذلك أن هذه الجوانب من الحياة قد بدأ التحلل يدخل في كثيرٍ من مفرداتها، وبدأت تظهر في كل جانب من هذه الجوانب مظاهر لم تكن معروفة في بداية الدعوة الإسلامية، وقد كثرت في الجانب الديني ظواهر فيها خروج على مبادئ الدين الإسلامي.
 
ومن هنا كان جانب الرفض في الخطاب الحسيني، وهو رفض مدروس يهدف إلى الإصلاح في البنية الاجتماعية والسياسية والدينية، ويلتقي هذا الرفض مع هدف الإمام من خروجه وهو طلب الإصلاح في أمة جده، ويطابق تماماً المسار الذي رسمه الإمام الحسين لثورته ضد الظلم والانحراف، لذا نجد في خطابه طائفة من التراكيب عبر بها الإمام عن الرفض المطلق لكثير من التوجهات في الجانب السياسي والجانب الديني والاجتماعي. وأول ما يمثل هذا الاتجاه هو رفضه لواقع الحكم السائد في العالم الإسلامي، وقد تجسد ذلك في رده على والي المدينة الوليد بن عتبة حين طلب منه البيعة ليزيد قال له الإمام:
 
«... ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة ومثلي لا يبايع مثله...».
 
ويبدو طابع الرفض واضحاً في تراكيب هذا الخطاب، وهو رفض للواقع السياسي الذي يمثله حكم يزيد بن معاوية، ومثل ذلك ما ورد في خطابه مع القوم عشية العاشر من محرم يقول:
 
«الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة...».
وهذا رفض قاطع لما يطلبه منه الأعداء وتبدو ملامح الرفض واضحة في كل كلمة من مفردات هذا النص، وقد ربط الإمام بين رفضه لهذا الواقع وبين رفض الله ورسوله والمؤمنين لمثل هذا الموقف، إنه رفض لواقع مرير كان يعيشه المسلمون ويتحملون تبعاته في ظل حكم يسير فيه كل شيء في الاتجاه المعاكس لمبادئ الدين الإسلامي، ويراد له أن يدوم ويستمر في حكم المسلمين.
 
4- البعد الأخلاقي
 
الإمام الحسين، يمثل امتداداً لمنهج جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: ( (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) القلم / 4.
 
فلا غرابة أن يمثل البعد الأخلاقي والإنساني جانباً مهماً من جوانب الخطاب الحسيني فالخطاب الحسيني في كثير من تراكيبه وأساليبه هو خطاب إنساني وأخلاقي، ويبدو البعد الأخلاقي والإنساني واضحاً في موقف الإمام الحسين وأصحابه من الحر وأصحابه في أول لقاءٍ بينهم، فقد أمر الإمام الحسين أصحابه بمساعدتهم وتقديم الماء لهم، كذلك في أمره بعدم ابتداء القوم بالقتال، ويتضح هذا الموقف أكثر في حرص الإمام على إرشاد القوم ونصحهم حتى لا يقعوا في المحظور ويحاسبهم الله بسببه، إنه من أعظم المواقف الإنسانية في معركة الطف، ومما يمثل هذا الجانب الخطاب الذي ألقاه الإمام على أصحابه وأهل بيته قبل المعركة وأخبرهم فيه أن القوم لا يطلبون غيره، ومن أراد منهم أن ينجو بنفسه فليتخذ الليل جملاً وهو في حل من أمره وليس عليه ذمام، ومن ذلك أيضاًَ ما ورد في بعض أقواله:
 
«ان الحلم زينة والوقار مروءة والصلة نعمة، والاستكبار صلف والسفه ضعف، والغلو ورطة، ومجالسة الدناءة شين، ومجالسة أهل الفسق ريبة»[3].
 
ان كل فقرة من فقرات هذه الكلمة تصلح أن تكون عنواناً لدرس أخلاقي تكتب فيه مؤلفات، ولا نستغرب ذلك من الإمام الحسين فهو إمام عصره ووارث جده وأبيه ويمثل خطابه في الجانب الأخلاقي امتداداً لخطاب جده وأبيه في هذا الميدان.
 
5- البعد الوعظي والإرشادي
 
لقد كان الإمام الحسين واعظاً ومرشداً في خطابه مع القوم وبخاصة في أرض كربلاء، فقد رأى الإمام أن المقام يتطلب هذا النوع من الخطاب، فهو إمام العصر ووارث الرسول أولاً وهؤلاء القوم قد خدعهم أسيادهم وأولياء أمرهم، وضللوهم عن طريق الصواب، وزينوا لهم حب الدنيا فاستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم كل شيء. ومن هنا كان الإمام يرى أن من حقهم عليه أن يعظهم ويرشدهم إلى طريق الهدى والصواب، لذا نرى أن نزعة الإرشاد والوعظ تدخل مراحل الخطاب المختلفة، وتهيمن على أغلب تراكيب الخطاب، وقد تنوعت أساليب الوعظ عند الإمام؛ فهو مرة يبين لهم طريق الحق وأهله ويطالبهم باتباع هذا الطريق لأن فيه رضا الله؛ ومرة يذكرهم بضرورة الوقوف بوجه السلطان الجائر والحاكم الظالم ويجعل ذلك واجباً شرعياً؛ واحياناً يدعوهم إلى العمل من أجل الآخرة لأنها دار البقاء ويزهدهم بالدنيا لانها دار فناء لا تدوم على حال، ومن أمثلة ذلك قوله: «الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم».
 
وقوله: «من كان باذلاً فينا مهجته، وموطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل...».
 
وقوله: «انه قد نزل من الامر ما قد ترون وان الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وادبر معروفها واستمرت حذاء فلم يبق منها...».
 
لقد مثلت هذه النصوص وغيرها كثير الجانب الوعظي والإرشادي في خطاب الإمام الحسين وقد ظلت هذه  التراكيب حية مستمرة إلى يومنا هذا تفيد منها الأجيال في الميدان الاجتماعي والديني.
 
6- البعد التذكيري والاجتماعي
 
يمثل هذا البعد بجانبيه مرتكزاً من مرتكزات الخطاب الحسيني، فقد كان خطاب الإمام الحسين في جانب من بنائه تذكيرياً، وقد وردت في بنية الخطاب تراكيب كثيرة تمثل التذكير بأمور كثيرة لا لأن القوم يجهلون ما يذكر به، فهم يعرفون كل شيء، وتبدو تراكيب الخطاب التذكيرية واضحة في تذكيرهم بصلته بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكرهم بقول الرسول فيه وفي أخيه بأنهما سيدا شباب أهل الجنة، وذكرهم بأنه وارث علم الرسول، وانه ابن بنت نبيهم ثم ذكرهم بأبيه وعمه وعم أبيه، ووقف طويلاً ليذكرهم بما أرسلوه إليه من كتب ووفود يطلبون منه القدوم إلى بلدهم، لقد مثلت هذه الأمور وغيرها بنية العديد من تراكيب خطابه، ومن هنا اكتسب الجانب التذكيري أهمية كبيرة وشغل حيزاً كبيراً من بنية الخطاب الحسيني. أمّا الجانب الاجتماعي فقد تمثل في بيان المكانة الاجتماعية للإمام الحسين، وحرصه على الحفاظ على تقاليد العرب وعاداتهم الاجتماعية سواء أكان ذلك في الجاهلية أم في الإسلام ففي اشتداد المعركة ومحاولة القوم التعرض إلى عيال الإمام ونسائه دعاهم إلى الرجوع إلى أحسابهم إن كانوا عرباً يقول:
 
«ويحكم يا شـيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين فكونوا أحراراً في دنياكم، انا أُقاتلكم وانتم تقاتلونني والنساء ليس عليهن جناح...».
 
إن الإمام الحسين في هذا الكلام يشير إلى ظاهرة اجتماعية كان العرب يعتزون بها في عصر ما قبل الإسلام وبعده، وقد عمل الإسلام على ترسيخ هذه الظاهرة والحفاظ عليها، وتمثل هذه الظاهرة رعاية النساء والأطفال وعدم التعرض لهم في الحروب ولو كانوا من الأعداء.
 
لقد مثلت هذه الأبعاد وغيرها مما يدخل في ضمنها البنية العامة للخطاب الحسيني، وشكلت المرتكزات الأساسية التي انطلق منها الإمام ليرسم من خلالها المنهج العام للمسلمين وغيرهم، ويمكن أن يفيد منها أهل الدين وأهل السياسة وأهل الفقه وأهل الاجتماع وغيرهم، ذلك أن ما ورد في هذا الخطاب في مراحله الثلاث يمكن أن يكون منهجاً للدولة الإسلامية في المنظور الحسيني، وقد أصبح هذا الخطاب خالداًَ خلود القضية الحسينية، لانه يمثل الإطار العام لثورة الإمام الحسين ويمثل الوجه الإعلامي لها.
لقد ارتبط هذا الخطاب ارتباطاً وثيقاً بالإمام الحسين، فهو الكلام الذي عبر فيه الإمام الحسين عن أفكاره وتوجهاته ومقاصده ابتداءً من رفضه البيعة ليزيد بن معاوية حتى استشهاده هو وأصحابه في معركة الطف، وقد مثلت أبعاد هذا الخطاب مسارات للدارسين على مر العصور، فكل منهـم يجد في جانب منها ضالته في البحث، وقد اكتسب هذا الخطاب صفة الخلود، لأنه كلام الإمام الحسين أولاً، ولأنه قيل في معركة الطف ثانياً فهو خالد من جهة المنشئ والمقام، وقد ظل هذا الخطاب منذ القرن الأول للهجرة إلى وقتنا الحاضر يمثل مدرسة تفيد منها الاجيال بمختلف أفكارها واتجاهاتها، فهو منار للثائرين وأصحاب الحق والمظلومين والقادة والسياسيين والأدباء كل منهم يستفيد من جانب من جوانب هذا الخطاب ويبني عليه أفكاره وتوجهاته.
 
لقد أضفت واقعة الطف وما حدث فيها من مآس أذهلت العالم طابعها على الخطاب الحسيني، ومنحته تأثيراً في نفوس السامعين والقراء، وبالرغم من أن الخطاب قيل قبل هذه الواقعة لكنه في واقع الحال كان تصويراً دقيقاً لما سيحدث في هذه المعركة وتحديد أبعادها ونتائجها وما يترتب عليها، وقد حدد الإمام في مراحل خطابه كثيراً من الأحداث التي تقع قبل وقوعها، وتبدو إشارة الإمام واضـحة إلى هذه الواقعة في أول خطبة له حين غادر مدينة مكة باتجاه العراق، إذ نجد أشارة غير مباشرة إلى حقيقة مصرعه في هذه الواقعة يقول: «كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء...».
 
لقد حدثت في معركة الطف مآس وجرائم فوق حدود الوصف، وقد أثارت هذه الأحداث مشاعر المسلمين جميعاً، وظلت صورها عالقة في الأذهان إلى يومنا هذا يقول أحد الكتاب الغربيين:
 
«حدثت في واقعة الطف فظائع ومآس صارت فيما بعد أساساً لحزن عميق في العاشر من شهر محرم من كل عام، فقد أحاط الأعداء في المعركة بالحسين وأتباعه وكان بوسعه أن يعود إلى المدينة لو لم يدفعه ايمانه الشديد بقضيته إلى الصمود ففي الليلة التي سبقت المعركة... وفي صباح اليوم التالي قاد الحسين أصحابه إلى الموت».
 
إنّ الذي أوحى إلى الكاتب هذا القول هو ما يراه من تجدد الحزن في اليوم الذي حدثت فيه المأساة من كل عام، ويقول عباس محمود العقاد:
 
«فما أظلت فيه السماء مكاناً لشهيد قط هو أشرف من تلك القباب بما حوته من معنى الشهادة وذكرى الشهداء».
 
لقد آمن الإمام الحسين بمبدأ وقاد ركبه من أجل قضية إلى أرض كربلاء، لتحقيق هدف محدد هو الدفاع عن الدين وطلب الإصلاح، وقد آمن الحسين بدفع الثمن من أجل هذه القضية مهما كان غالياً.
 
ومن هنا تأتي تضحية الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، ليكونوا القربان الذي يمهد الطريق لإحياء الدين الإسلامي، واكتسبوا من خلال هذا الخلود الأبدي، لقد أصبح منهج الحسين وخطابه مدرسة خالدة حملت منها جحافل الثائرين مشاعل النور التي تضيء دياجير الظلام في كل مكان، ونهلت منها جموع المظلومين مبادئ الوقوف بوجه الظالمين، وأفادت منها الأجيال معاني التضحية والفداء من أجل المبادئ، لقد مات الحسين جسداً ولكنه لم يمت ثورة ومبادئ وعقيدة ومنهجاً وخطاباً، وقد ألهمت قضية الحسين وثورته وتضحيته مئات الآلاف من الأُدباء والشعراء والعلماء فكانت منهلاً عذباًَ أخذ منه القدامى والمحدثون من المبدعين، ما شاءوا وكتبوا عنه ما أرادوا، وقد ألهمت هذه القضية الشعراء روائع القصائد التي كتبت في رثاء الإمام الحسين وتصوير هذه المأساة.
 
سلام عليك أبا عبد الله يوم ولدت، ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا.
 
ألم ترَ أن الارض أضحت مريضة *** لقتل حسين والبلاد اقشعرتِ
وإنّ قتيل الطف من آل هاشم *** أذلّ رقاب المسلمين فذلتِ

وكانوا رجاءً ثم صاروا رزية *** لقد عظمت تلك الرزايا وجلّتِ