×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

شبهة نفي العلم عن الأئمة المعصومين (ع) بقول الإمام علي (ع): (سلوني قبل أن تفقدوني).

من المناسب أن نورد هذه الشبهة بنوع من الإطناب والتفصيل ثم نتبعها بالرد والبيان, فنقول:

أخذ بعضهم يبث سمومه في الأذهان ويغرس في نفوس الضعفاء والسذج ما هو عليه من باطل في محاولة منه لنفي كل فضيلة لأهل بيت النبي صلوات الله عليهم أجمعين الثابتة لدينا ولدى المخالف بالدليل والبرهان.. وما هي إلا محاولة مكشوفة للتعامي عن الحقيقة, وأغلب ما جيء به أساسه سذاجة العقل وضيق الأفق؛ ولهذا قالوا: وردت عدة روايات في مصادر الشيعة فضلاً عن مصادر أهل السنة التي جاء فيها أن الإمام علياً (ع) قال (سلوني قبل أن تفقدوني , سلوني عن طرق السموات فأنا والله أعلم بها من طرق الأرض), فقوله (ع): (قبل أن تفقدوني) فيه دلالة على كون العلم منحصراً في الإمام علي (ع) دون الأئمة من ولده (ع) الذين سيأتون من بعده، فهم لا علم لهم بشيء بحسب حديث علي (ع).

وفي الحقيقة هذا ليس من الإنصاف والتجرُّد في أخلاقيات البحث العلمي؛ إذ الباحث بموضوعية وتجرد علمي لا يمكن إلا أن يعترف بأنّ علياً (ع)  ما كان بصدد نفي العلم عن الأئمة، بل على العكس من ذلك إنه أراد أن يعلم الناس بأنه أعلم من الصحابة بأجمعهم وهذا علة طرح الشبهة في المقام.

والذي يطرح هذه الأباطيل أحد رجلين، إما أن يكون جاهلاً بحقيقة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وإنما صدر منه هذا القول وهو تابع لكل ناعق، وإما أن يكون رجل سوءٍ قصْده أن يصد الناس عن اتباع معادن الحكمة والعلم ومخازن المعرفة والدين الصحيح، فأما الأول فعلاجه أن يبيَّن له منهج وحقيقة أهل البيت (عليهم السلام) بالأدلة والبراهين، وأما الثاني فمعاند ومكابر لا يريد حقاً ولا يبحث عن الصراط المستقيم  بل إن أكبر همه إثارة البلابل وزعزعة الثقة بما يعتقده خصمه وبث الشبَه ليكدر به صفو اعتقاد الحق, وفي هذا المقام سيكون الرد على الشبهة المذكورة بما يبين بطلانها ويهدم أركانها ويهد بنيانها وسيتضح عما قريب أن وهنها أوهن من خيط العنكبوت، ولا يخفى وهنها وفسادها إلا على الجهلة وأصحاب الهوى أتباع كل ناعق الذين لم يستضيئوا بنور العلم.

رد الشبهة:

اقتضت منهجية الرد على هذه الشبهة أن تناقش من خلال عدة خطوات:

الخطوة الأولى: اعلم أن الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء لقوله تعالى: ƒ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ‚ ([1]), فالكلام في علم الأئمةD فرع عن الكلام في علم النبي (ص)؛ لأن علمه هو المنبع وعنه الصدور, فكما لا بد أن يكون للنبي (ص) من العلم من لدن العلام جل وعلا، ما يحيط بالجليل والحقير والكبير والصغير؛ لكي يكون قادراً على تعميم الإصلاح ليشمل الداني والقاصي والحاضر والباد, فكذلك الإمام لابد أن يحظى بتلك الملكة السامية القدسية من العلم بما يحدث في العالم من حوله؛ ليسير بها على سنن العدل ومنهاج الإصلاح.

وكما أن علم الرسول (ص) بالعالم وإحاطته بما يحدث فيه يعدّ من أسس الرسالة العامة، وقاعدة لزومية لتطبيق الشريعة الشاملة, فكذلك الأمر بالنسبة للإمام؛ لأن الخلافة أو الإمامة وظيفة تنوب عن الرسالة وتنهض بعبئها الباهض- سوى مقام النبوة والتشريع -.

إذا تجلى لديك ذلك فتأمل فيما روي عن أمير المؤمنين (ع) حول بيان أن الإمامة أعلى المنازل وأجلها وأشرف الرتب وأفضلها وأن الله عزّ ذكره حبا اللائق بها بالعلم والعصمة, فقال (ع): « الإمام كلمة الله وحجة الله ووجه الله ونور الله وحجاب الله وآية الله يختاره الله ويجعل فيه ما يشاء ويوجب له بذلك الطاعة والولاية على جميع خلقه فهو وليه في سماواته وأرضه، أخذ له بذلك العهد على جميع عباده، فمن تقدم عليه كفر بالله من فوق عرشه، فهو يفعل ما يشاء وإذا شاء الله شاء, ويكتب على عضده: " وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً " فهو الصدق والعدل وينصب له عمود من نور من الأرض إلى السماء يرى فيه أعمال العباد، ويلبس الهيبة وعلم الضمير، ويطلع على الغيب، ويرى ما بين المشرق والمغرب فلا يخفى عليه شيء من عالم الملك والملكوت، ويعطى منطق الطير عند ولايته, فهذا الذي يختاره الله لوحيه ويرتضيه لغيبه ويؤيده بكلمته ويلقنه حكمته ويجعل قلبه مكان مشيته وينادى له بالسلطنة ويذعن له بالإمرة ويحكم له بالطاعة؛ وذلك لأن الإمامة ميراث الأنبياء ومنزلة الأصفياء وخلافة الله وخلافة رسل الله، فهي عصمة وولاية وسلطنة وهداية، وإنه تمام الدين ورجح الموازين» ([2]).

وتأمل أيضاً فيما روي عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع): «للإمام علامات، يكون أعلم الناس وأحكم الناس وأتقى الناس وأحلم الناس وأشجع الناس وأسخى الناس وأعبد الناس...» ([3]).

وفي الخبر الصحيح الذي رواه الصفار في بصائر الدرجات ومن طريقه رواه الكليني في الكافي عن محمد بن مسلم قال: « سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: نزل جبرائيل على محمد صلى الله عليه وآله برمانتين من الجنة فلقيه علي عليه السلام فقال له: ما هاتان الرمانتان؟ قال: أما هذه فالنبوة ليس لك فيها نصيب، وأما هذه فالعلم، ثم فلقها رسول الله صلى الله عليه وآله فأعطاه نصفها وأخذ نصفَها رسولُ الله صلى الله عليه وآله ثم قال: أنت شريكي فيه وأنا شريكك فيه، قال: فلم يعلم رسول الله صلى الله عليه وآله حرفاً إلاّ علّمه علياً عليه السلام ثم انتهى ذلك العلم إلينا ثم وضع يده على صدره » ([4]).

وروى أيضاً بسند صحيح عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: « إنّا لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّها آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وأصول علم نتوارثها كابراً عن كابر، نكتنزها كما يكنز الناس ذهبهم وفضّتهم » ([5]).

وبعد استعراضنا للنصوص المذكورة في أعلاه اتضح لدينا بما لا يدع مجالاً للشك في أن علم الأئمة (عليهم السلام) علمٌ متوارث عن رسول الله (ص) , بدلالة ما جاء في الصحيح عن الإمام الصادق (ع)  في قوله: «... فلم يعلم رسول الله صلى الله عليه وآله حرفاً إلا علّمه علياً عليه السلام ثم انتهى ذلك العلم إلينا...» ([6]), وفيما جاء عنه (ع) أيضاً أن الأئمة (عليهم السلام) أُعطوا من علم ما كان وما يكون وأن الأنبياء أُعطوا علم ما كان، وغاب عنهم علم ما يكون, فقال (ع): «... لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة وقد ورثناه من رسول الله (ص)وراثة» ([7]).

وما تقدم كان غاية في الوضوح والبيان في أن النبي (ص) قد علّم علمه عليّاً (ع)  حتى انتهى ذلك العلم إلى الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين, وهذا وجه يُردُّ به على مثيري هذه الشبهة المتعالمين وهم جاهلون, فقول أمير المؤمنين (ع): «سلوني قبل أن تفقدوني... » لا دلالة فيه على نفي العلم عن الإمام الحسن المجتبى (ع) والأئمة (عليهم السلام) من بعده؛ بدليل ما أوردناه من قوله (ع) في بيان ما يخص علم الإمام إذ قال: «... وينصب له عمود من نور من الأرض إلى السماء يرى فيه أعمال العباد, ويلبس الهيبة وعلم الضمير، ويطلع على الغيب ويرى ما بين المشرق والمغرب... فهذا الذي يختاره الله لوحيه ويرتضيه لغيبه ويؤيده بكلمته ويلقنه حكمته », فهل يناسب هذا ما فهمه أصحاب الشبهة من قوله (ع) «سلوني قبل أن تفقدوني... » على نفي العلم عمن بعده من الأئمة (عليهم السلام), على حين أنه يدل من كلامه (ع) المذكور في أعلاه أن جميع الأئمة من ولده (عليهم السلام) يعلمون على السواء, فيرون أعمال العباد, وقد أُلبسوا الهيبة وعلم الضمير, واطلعوا على الغيب , ويرون ما بين المشرق والمغرب, وهم من ارتضاهم الله عز وجل لغيبه وأيدهم بكلمته ولقنهم حكمته, فأين نفى عليّ (ع) العلم عن ولده من الأئمة المعصومين (ع)؟!

ودونك الشواهد والأدلة التي تفند هذا الزعم بأن علياً (ع) بقوله: (سلوني قبل أن تفقدوني) نفى العلم عمن بعده من الأئمة المعصومين, منها:

مرفوعة علي بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السّلام قال: «أُتي أمير المؤمنين برجل وجد في خربة وبيده سكين ملطخ بالدم وإذا رجل مذبوح يتشحط في دمه، فقال له أمير المؤمنين: ما تقول؟ قال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فأقيدوه به، فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرع إلى أن قال فقال: أنا قتلته, فقال أمير المؤمنين عليه السّلام للأول: ما حملك على إقرارك على نفسك؟ فقال: وما كنت أستطيع أن أقول؟ وقد شهد عليَّ أمثال هؤلاء الرجال، وأخذوني وبيدي سكين ملطخ بالدم، والرجل يتشحط في دمه وأنا قائم عليه خفت الضرب، فأقررت، وأنا رجل كنتُ ذبحت بجنب هذه الخربة شاة وأخذني البول فدخلت الخربة فرأيت الرجل متشحطاً في دمه، فقمت متعجباً فدخل عليَّ هؤلاء فأخذوني، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن عليه السّلام وقولوا له: ما الحكم فيهما؟ قال: فذهبوا إلى الحسن عليه السّلام وقصوا عليه قصّتهما, فقال الحسن عليه السّلام: قولوا لأمير المؤمنين عليه السّلام: إن كان هذا ذبح ذاك فقد أحيا هذا، وقد قال الله عز وجل ƒ وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ‚ يُخلَّى عنهما وتخرج دية المذبوح من بيت المال» ([8]).

ومنها: قال الشيخ: وروي أن رجلاً سأل أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا أمير المؤمنين إني خرجت محرماً فوطأتْ ناقتي بيض نعام وكسرته، فهل علي كفارة؟ فقال له: امض فاسأل ابني الحسن عنها، وكان بحيث يسمع كلامه، فتقدم إليه الرجل فسأله، فقال له الحسن: يجب عليك أن ترسل فحولة الإبل في إناثها بعدد ما انكسر من البيض، فما نتج فهو هدي لبيت الله عز وجل، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يا بُني، كيف قلت ذلك وأنت تعلم أن الإبل ربما أزلقت، أو كان فيها ما يزلق؟ فقال: يا أمير المؤمنين، والبيض ربما أمرق أو كان فيه ما يمرق، فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: صدقت يا بُني، ثم تلا: ƒ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‚ ([9]) ([10]).

ورواه المفيد أيضاً في (المقنعة) مرسلاً ([11]).

وهذا كافٍ في بيان أن أصحاب الشبهة ليس لهم على الذي يقولون به دليل معتبر ولا حجة بينة, ومن خلال ما سبق ذكره وما سيأتي بيانه سيتبين الحق إن شاء الله تعالى.

الخطوة الثانية: الروايات المستفيضة الدالة على مصدر علم الأئمةD

يقول الشيخ محمد رضا المظفر فيما يخص علم الإمام المعصوم ما نصه: «أما علمه، فهو يتلقى المعارف والأحكام الإلهية، وجميع المعلومات من طريق النبي (ص) أو الإمام (ع) قبله، وإذا استجد شيء لابدّ أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإنْ توجَّه إلى شيء وشاء أن يعلمه من طريق على وجهه الحقيقي لا يخطئ فيه، كل ذلك مستنداً إلى البراهين العقلية، ولا يستند إلى تلقينات المعلمين، وإن كان علمه قابلاً للزيادة والاشتداد، ولذا قال الرسول الأكرم (ص): ƒوَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً‚» ([12]), وهنا نشير إلى بعض مصادر علم الأئمةD وهي كالآتي:

1 – تحديث الملائكة:

 فمن مصادر علمهمD هو تحديث الملائكة لهم، وقد نصَّت على ذلك روايات مستفيضة وفيها ما هو معتبر سنداً.

منها: ما ورد بسندٍ معتبر عن محمد بن إسماعيل قال: «سمعت أبا الحسن (ع)  يقول: الأئمة علماء صادقون مفهمون محدَّثون» ([13]).

ومنها: ما ورد بسند معتبر عن حمران بن أعين قال: «قال أبو جعفر (ع):  إن عليَّاً كان محدَّثاً، فخرجت إلى أصحابي فقلتُ: جئتكم بعجيبة، فقالوا: وما هي؟ فقلت: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: كان عليٌّ محدَّثاً، فقالوا: ما صنعت شيئاً، ألا سألته من كان يُحدِّثه، فرجعت إليه فقلت: إنِّي حدثت أصحابي بما حدثتني فقالوا: ما صنعت شيئاً، ألا سألته من كان يُحدِّثه؟ فقال لي: يُحدِّثه ملَك، قلت: تقول إنَّه نبي؟ فحرك يده -هكذا- ثم قال: أو كصاحب سليمان أو كصاحب موسى أو ذي القرنين، أو ما بلغكم أنه (ص) قال: وفيكم مثله» ([14]).

ومنها: ما ورد بسند معتبر عن عبيد بن زرارة قال: «أرسل أبو جعفر إلى زرارة أن يعلم الحكم بن عتيبة أن أوصياء محمد عليه وعليهم السلام مُحدَّثون» ([15]).

ومنها: ما ورد بسندٍ معتبر عن علي السائي عن أبي الحسن الأول موسى (ع) قال: قال (ع): «مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه: ماضٍ وغابر وحادث، فأما الماضي فمفسَّر، وأما الغابر فمزبور، وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا» ([16]).

وقد وردت رواية أخرى تفسر وتبين المراد من العلم الغابر والمزبور أو الماضي والنكت في القلوب والنقر في الأسماع, فعن المفضَّل بن عمر قال قلت: لأبي الحسن (ع) روينا عن أبي عبد الله (ع) إنَّ علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع فقال (ع): «أما الغابر فما تقدم من علمنا، وأما المزبور فما يأتينا، وأما النكت في القلوب فإلهام وأما النقر في الأسماع فأمر الملَك».

إذن فالمراد من العلم الماضي الأمور التي وقعت فيما مضى من الزمان، والمراد من العلم الغابر الأمور الحاضرة الباقية - كما أفاد ذلك علماء اللغة- والمراد من النقر في الأسماع هو تحديث الملائكة.

2 – الروح:

من مصادر علمهم (عليهم السلام) هو الروح فقد وردت روايات بلغت حد الاستفاضة بل فاقت ذلك تنصّ على أن الروح مع الأئمةD إماماً بعد إمام, بعد ما كان مع النبي (ص). والروح بحسب الروايات خلْقٌ من خَلْقِ الله تعالى يقف به من كان معه على كثير من المعارف الإلهية وبواسطته يكون التسديد والعصمة ([17]).

وها نحن أولاء نورد طرفاً منها:

1 -  ما ورد بسندٍ معتبر عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليهم السلام)عن قول الله تعالى تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ ([18])، قال (ع): «خلقٌ من خلْقِ الله عزَّ وجل أعظمُ من جبرائيل وميكائيل، كان مع رسول الله (ص) يُخبره ويُسدِّده، وهو مع الأئمة من بعده» ([19]).

2 - ما ورد بسندٍ معتبر عن ابن مسكان عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عزَّ وجل ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ([20]), قال (ع): «خلْقٌ أعظم من جبرائيل وميكائيل، مع رسول الله (ص) وهو مع الأئمة، وهو من الملكوت» ([21]).

3 - ما ورد بسندٍ معتبر عن أبي أيوب الخزَّار عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ([22]), قال (ع): «خلْقٌ أعظم من جبرئيل وميكائيل لم يكن مع أحدٍ ممن مضى غير محمد (ص) وهو مع الأئمة يُسدِّدهم، وليس كل ما طُلب وُجد» ([23]).

4 - ما ورد بسندٍ معتبر عن زرارة عن أبي جعفر (ع) في قول الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا﴾ فقال أبو جعفر (ع):« منذ أنزل الله تعالى ذلك الروح على نبيِّه ما صعد إلى السماء وإنَّه لفينا» ([24]).

3 – الإلهام:

وهو الإلقاء في الروع، يقال: ألهمه الله خيراً أي لقنه، و ƒ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ‚ ([25]) أي بيّنها.

والإلهام قسم من الوحي، وهو والإيحاء الإعلام في خفاء، فيستعمل كل منهما بمعنى الإلقاء في الروع لكونه نوعاً من الإعلام في خفاء، قال تعالى:

ƒ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ‚ ([26]) أي ألهمها وقذف في قلوبها، وعلمها على وجه لا سبيل لأحد على الوقوف عليه، وقد فُسِّر المراد من الوحي في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ([27]) بالإلهام والفيض الإلهي، فعَرَفتْ به أنَّ ابنها موسى سيردُّه الله إليها وإنَّه سوف يكون من المرسلين، وتلك من الحقائق المودعة في مكنون الغيب، ولم تكن أمُّ موسى من الأنبياء، ورغم ذلك أُلهِمت هذه الحقيقة الغيبيَّة.

 وكذلك قوله تعالى: ƒ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ‚ ([28]) ([29]).

وهذا الطريق هو المعبَّر عنه في الروايات بالقذف والنكت في القلوب.

هذا والروايات التي أفادت أنَّ الإلهام أحد وسائل المعرفة والعلم عند أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مستفيضة بل فاقت حد الاستفاضة.

منها: ما ورد مسنداً إلى يحيى المدائني عن أبي عبد الله (ع) قال: «قلتُ: أخبرني عن الإمام إذا سئل كيف يجيب؟ "فقال (ع): إلهام وسماع وربما كانا جميعاً» ([30]).

ومنها: ما ورد مسنداً إلى علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن (ع) علمُ عالمكم إسماع أو إلهام؟ قال (ع): «يكون سماعاً ويكون إلهاماً ويكونان جميعاً» ([31]).

ومنها: ما ورد بسند عن الحارث بن المغيرة النضري قال: «قلت لأبي عبد الله (ع) ما علم عالمكم؟ جملة يقذف في قلبه أو ينكت في أذنه؟ فقال (ع): وحيٌّ كوحي أم موسى» ([32]).

ومنها: ما رواه الصدوق بسنده إلى عبد العزيز بن مسلم في حديث طويل حول صفات الإمام عن الرضا (ع) ورواه الكليني والنعماني والطبرسي وغيرهم.

وقد جاء فيه: «... أنَّ الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم يُوفِّقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان... وإنَّ العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة و ألهمه العلم إلهاماً، فلم يعيَ بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، فهو معصوم مؤيَّد، موفَّقٌ مُسدَّد، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار، يخصه الله تعالى بذلك ليكون حجَّته على عباده وشاهدَه على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم» ([33]).

وبعد هذا كله فاعلم أن ما سقناه من روايات وردت في بيان مصادر علم الأئمة (عليهم السلام) يقضي أبلغ قضاء ويدل أوضح دلالة، ويفيد أجلى مفاد: أن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) يعلمون علم الماضي والغابر والحاضر بواسطة تحديث الملائكة لهم أو الروح أو الإلهام فضلاً عن وراثتهم ذلك عن رسول الله (ص), وهذا كما لا يخفى على من له فضل اطلاع كاشف عن عدم نفي العلم عن الأئمة (عليهم السلام)، الذي استفاده أصحاب الشبهة من قول الإمام علي (ع) (سلوني قبل أن تفقدوني).. فليُتأمل هذا الموضع أشد التأمل وليعطَ من الإنصاف حقه، ولا يُوقَف على ما وَقف عليه المعاندون والمكابرون.

الخطوة الثالثة: بتر الحديث وإيهام القرَّاء.

غير خفيٍ على من له أدنى اطلاع أن أصحاب الشبهة بتروا كلام الإمام علي (ع) ولم يأتوا به إلى آخره؛ ليتلائم مع ما في أنفسهم! وبتر الكلام يتوخى من خلاله إيهام القرَّاء من أن الحديث كان مسوقاً لنفي العلم عن الأئمة (عليهم السلام) لا لبيان سعة علم الإمام علي (ع) وأنه أعلم الصحابة قضِّهم وقضيضهم، وذاك –كما لا يخفى-أسلوبٌ لا يعمد إليه إلا عاجز أو صاحب هوى, وليس من دليل أوضح من هذا على أن أصحاب الشبهة ليسوا أمناء في نقلهم، ولا صادقين مع نفسهم، ولا مصيبين في دعواهم, لذا كان لزاماً علينا أن نذكر المصادر السنية التي ذكرت الحديث ثم نعرج على ذكره بتمامه في المصادر الشيعية , وإليك بسط الكلام في ذلك:

الحديث المذكور والمبتور أخرجه من علماء أهل السنة: الحاكم في المستدرك وصححه هو والذهبي في تلخيصه ([34])، وأخرجه ابن كثير في تفسيره من طريقين ([35])، وأخرجه أبو عمر في جامع بيان العلم ([36])، وأخرجه المحب الطبري في الرياض ([37])، وأورده السيوطي في تاريخ الخلفاء ([38])، والإتقان ([39])، وذُكر في تـهذيب التهذيب ([40])، وفي فتح الباري ([41])، وفي عمدة القاري ([42]) وغيرهم.

وأما ما تضمنته مصادرنا وورد عندنا فإنه  يدل دلالة واضحة على إثبات العلم للأئمة المعصومين (عليهم السلام) وذلك بقرينة التتمة المقتطعة من الحديث التي جاء فيها أن الإمام علياً (ع) أمر الحسن (ع) أن يعتلي المنبر ويلقي خطبة ليُطْلع الناس من خلالها على سعة علمه ومدى إحاطته بالأمور, وكذلك فعل (ع) مع الإمام الحسين (ع), وإليك نص الحديث مع التتمة المذكورة:

 فعن الأصبغ بن نباتة قال: لما جلس علي عليه السلام على الخلافة وبايعه الناس, خرج إلى المسجد متعمماً بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, لابساً بردة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منتعلاً نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متقلداً سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فصعد المنبر وجلس عليه متمكناً وشبك أصابعه ووضعها أسفل بطنه. ثم قال: معاشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني... إلى آخر الكلام.

ويستمر بالحديث إلى أن يقول للحسن (ع): قم فاصعد المنبر وتكلم بكلامٍ لا تجهلك قريش بعدي فيقولون: إن الحسن بن علي لا يحسن شيئاً...ومن ثم وجه كلامه إلى الحسين عليه السلام قائلاً: قم فاصعد المنبر وتكلم بكلامٍ لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون: إن الحسين بن علي لا يبصر شيئاً.... ([43])انتهى.

وهذا أمر ظاهر للمنصف إذ لا بدّ من النظر إلى الأمور كما هي بعيداً عن الظلم والتزوير والنظرة القاصرة, فالعيب ليس في كلام أمير المؤمنين (ع) - حاشاه من ذلك- وإنما العيب في النقل والفهم, ولا يخفى أن كل كلام محكم إذا بتر تغير معناه، بل قد يكون المعنى ضد المراد به, ألا ترى كيف تغير معنى كلام الإمام علي (ع) عند قوله (سلوني قبل أن تفقدوني) بعد اقتطاع الفقرة التي ورد فيها أنه (ع) أمر الحسن والحسين (عليهما السلام) بارتقاء المنبر وإلقاء كل منهما خطبة على مسمع من قريش ومرأى منهم لِتُصَك وجوههم، وتُرغَم آنافهم، وتُدحَض أراجيفهم, بقوله (ع) لولده الإمام الحسن (ع): (قم فاصعد المنبر وتكلم بكلامٍ لا تجهلك قريش بعدي فيقولون: إن الحسن بن علي لا يحسن شيئاً..) ولا أدل على إثبات العلم للحسنين (عليهما السلام) من قوله هذا, حيث توخى (ع) في ذلك إظهار أنهما (عليهما السلام) ورثة علم النبي (ص) وهما حماة الدين الواقعيين والنافين عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين, وأنهما أهلٌ أن يرجع إليهما في حل عقد المعضلات وإبطال الشبهات.. فليس من الإنصاف اقتطاع ما يتم به معنى الكلام والإغماض عنه ثم الادعاء بأن الحديث جاء في سياق نفي العلم عن الأئمة (عليهم السلام) من بعده.

ولا يخفى على من له قلب سليم وعقل راجح أن السياق في حديث الإمام (ع) مع إيراد تتمته يدل دلالة صريحة وواضحة على نفي المدعى وإثبات نقيضه, فكما أعلن أمير المؤمنين (ع) عن علمه بالاستعداد عن إجابة كل سؤال يوجه إليه, كذلك هو إعلان منه (ع) أمام الملأ أن الحسن والحسين (عليهما السلام) يعلمان كعلمه على السواء وكذلك سائر الأئمة (عليهم السلام)، وذلك واضح من خلال كلامه (ع) مع ولده الإمام الحسن (ع) بقوله له: (قم فاصعد المنبر وتكلم بكلامٍ لا تجهلك قريش بعدي..), والأمر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، ولكن عميت عنها عيون الخفافيش, فجهالة قريش للحسنين (عليهما السلام) لا من جهة حالهما بل من جهة علمهما؛ إذ معرفتهما لدى القاصي والداني فضلاً عن قريش أشهر من أن تذكر, وفضلهما أكثر من أن يحصر.. فما زعموه من فرية نفي العلم عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بحديث الإمام عليّ (ع) ما هو إلا السراب الباطل الذي يحسبه الظمآن ماءً وكان مبعثه الحقد الدفين على أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

فمن يتربص بشبهاته الضعفاء والسذج دون من كان شاهد اللب، يقظ الفؤاد, فيأتي بها من وراء علمه، ومن فوق طور إدراكه وقد استسرت عليه أوضح الواضحات فغمت عليه معرفتها فكيف بمثله أن يفقه كلام أمير البلاغة وسيد الفصاحة علي بن أبي طالب (ع), وأنى له ذلك وهو من قوم أخفّاء الهام، سفهاء الأحلام، قد عميت عليهم وجوه الرشد، واستبهمت عليهم معالم القصد.

فقول أمير المؤمنين (ع) بعيد كل البعد عما ذهب إليه أصحاب الشبهة، وما زعموه إنما هو من نفخ الشيطان ونفثه, سوله لهم وحسّنه في قلوبهم ودفعهم إلى القول بذلك, ولكن هيهات هيهات فالبحر لا تكدره الدلاء.

 

 الكاتب: السيد مهدي الجابري


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] - سورة البقرة: آية 124.
[2] - بحار الأنوار, 25: 170.
[3] - بحار الأنوار , 25: 116.
[4] - بصائر الدرجات: ص313. الكافي, 1: 263. مناقب آل أبي طالب –لابن شهر آشوب – 2: 70.
[5] - المصدر نفسه: ص320.
[6] - بصائر الدرجات: ص 215.
[7] - المصدر نفسه, ص149.
[8] - الكافي, 7: 290 , كتاب الديات.
[9] - سورة آل عمران: آية 34.
[10] - وسائل الشيعة – الحر العاملي-  13: 53.
[11] - المقنعة – للشيخ المفيد - , ص437.
[12] - عقائد الإمامية – محمد رضا المظفر - , ص68.
[13] - بصائر الدرجات – للصفار - , ص339. الكافي , 1: 271.
[14] - الكافي , 1: 271.
[15] - المصدر نفسه, 1: 270.
[16] - المصدر نفسه, 1: 264.
[17] - ينظر: روضة المتقين – للمجلسي - 5: 471.
[18] - سورة الشورى: آية 52.
[19] - بصائر الدرجات: ص475. الكافي, 1: 273.
[20] - سورة الإسراء: آية 85.
[21] - بصائر الدرجات, ص482. الكافي, 1: 273.
[22] - سورة الإسراء: آية 85.
[23] - بصائر الدرجات, ص481. الكافي, 1: 271.
[24] - بصائر الدرجات, ص477.
[25] - سورة الشمس: آية 8.
[26] - سورة النحل: آية 68.
[27] - سورة الشورى: آية 52.
[28] - سورة الأنعام: آية 121.
[29] - ينظر: اللمعة البيضاء – للتبريزي الأنصاري -: ص350.
[30] - بصائر الدرجات, ص337 وعنه بحار الأنوار,26: 58.
[31] - المصدر نفسه.
[32] - المصدر نفسه.
[33] - الأمالي – للشيخ الصدوق -: ص778. الكافي, 1: 202. الغيبة – للنعماني -: ص229. الاحتجاج – للطبرسي – 2: 229.
[34] - المستدرك على الصحيحين, 2: 466, المذيل بتلخيص المستدرك للذهبي.
[35] - تفسير ابن كثير, 4: 231.
[36] - جامع بيان العلم – لأبي عمر القرطبي – 1: 114.
[37] - الرياض النضرة , 2: 198.
[38] - تاريخ الخلفاء – للسيوطي -: ص124 ,
[39] - الإتقان في علوم القرآن – للسيوطي – 2 319.
[40] - تهذيب التهذيب – لابن حجر العسقلاني – 7: 338.
[41] - فتح الباري – لابن حجر العسقلاني – 8: 485.
[42] - عمدة القاري – للعيني – 9: 167.
[43] - إرشاد القلوب, 2: 376 , بحار الأنوار, 10: 120 , غاية المرام – للبحراني -: ص242.