×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

الإمام الصادق (عليه السلام) والحركة العلمية، لمحة تاريخية من حياته (عليه السلام):

قبل البحث في ذات الموضوع لابد من التعرف على هوية الإمام الصادق (عليه السلام) الشخصية:  

الإمام الصادق (عليه السلام) هو ابو عبد الله جعفر بن محمد الباقر ابن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن ابي طالب، الإمام السادس من أئمة اهل البيت (عليهم السلام)، لقب بالصادق لصدقه في مقاله، وفضله اشهر من ان يذكر، ولد في السابع عشر من ربيع الأول، المصادف ليوم ولادة الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، في عام (80) للهجرة.

 ووالدته: أم فروة بنت القاسم بن محمد بن ابي بكر. عاصر خمسة ملوك بني امية، وادرك ثلاث سنين من خلافة عبد الملك بن مروان ومن بعده حتى سقوط الدولة الأموية سنة 132 هجرية.

 استشهد مظلوما مسموما بالسم الذي دسّه اليه المنصور الدوانيقي (وهو ابو جعفر عبد الله المنصور ثاني حكام بني العباس)، في الخامس والعشرين من شهر شوال في عام (148) للهجرة، ودفن في البقيع.

 واجه الإمام الصادق (عليه السلام) مجموعة من الحكومات الظالمة يمكن ان يطلق عليها بالحكومات الشمولية المزدوجة، حيث تجمع بين الاستبداد الديني والسياسي معا، فتحاول ان تحتكر الدين والدنيا معا.

 لقد امتد عصر الإمام الصادق (عليه السلام) من آخر حكومة عبد الملك بن مروان الى وسط حكومة المنصور العباسي، أي من سنة (83هـ) الى سنة (148هـ). فقد ادرك طرفا كبيرا من العصر الأموي، وعاصر كثيرا من ملوكهم، وشاهد من حكمهم اعنف اشكاله.

 نشأ في ظل جده زين العابدين مع ابيه الباقر (عليهما السلام) وتغذى من تعاليمهما ونمت مواهبه وتربى تربية دينية، وتخرج من تلك المدرسة العالمية الجامعة للصفات الحسنة والقيم الإنسانية العليا التي رسمها جدهم الأعلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاختص بعد شهادة ابيه الباقر (عليه السلام)، بالإمامة والزعامة الإسلامية سنة (114هـ) واتسعت تلك المدرسة بنشاطه الفكري والعلمي في المدينة المنورة ومكة المكرمة وغيرهما من الاقطار الإسلامية.

بداية الحركة العلمية للإمام الصادق (عليه السلام):

بعد افول نجم الدولة الأموية، وبروز الدولة العباسية للوجود والسيطرة على الحكم، وجدت الحرية الفكرية بين الناس في تلك الفترة، نتيجة الواقع الساسي آنذاك، حيث ظهر النشاط العلمي بين الناس بعد ان تجمدت الحركة الفكرية والعلمية في ظل الدولة الأموية، ولم يكن سوى العلوم المرتبطة بعلم القراءات، وعلم التفسير، وعلم الحديث، والمسائل المرتبطة بعلم الكلام والفروع الأدبية المختلفة.

 وفي ظل الدولة العباسية ظهرت حركة علمية غير عادية، وتهيأت الأرض لأن يعرض كل انسان ما يملك من افكار. وبعبارة ثانية، توفرت الساحة التي كانت مفقودة في الازمنة السابقة حتى ما قبل حياة الإمام الباقر (عليه السلام)، وفي عصر الإمام الصادق (عليه السلام) وفي تلك الفترة الزمنية من حكومة الدولة العباسية كان كل رجل من رجال العلم والفكر والحديث مدعوا لقول ما عنده، وهذا ناتج من عدّة عوامل بحيث لو اراد بنو العباس الوقوف في وجه ذلك لم يكن ذلك مقدورا لهم.

 ومن هذه العوامل:

الأول: الترغيب النبي بالعلم والتعلم والتعقل كان العامل الاساسي لهذه النهضة العلمية والفكرية، اذ كان المحيط في ذلك العصر محيطا مذهبيا، وكانت الناس لأسباب مختلفة مذهبية.

الثاني: دخول الاسلام اعراق كثيرة ومختلفة وذوو سابقة فكرية وعلمية، فكانت بلاد ما بين النهرين وسوريا مركزا من مراكز التمدن والتحضر في ذلك العصر.

الثالث: كان العالم الإسلامي كله بمثابة الوطن الواحد، بناءً على رفض فكرة الوطن المحدود بالماء والتراب.

 فالوطن الإسلامي هو حيثما يوجد إسلام فهو وطن، وكانت النتيجة ان التعصب قد زال الى حد كبير بحيث الاقوام على اختلافها كانت تحيا حياة مشتركة، وكانت تشعر بالأخوة. هذه العوامل الثلاثة كان لها الاثر الكبير في توسعت النشاط العلمي والفكري.

المدارس المختلفة واثرها العلمي والفكري:

برزت في ذلك الزمان صراع عقائدي حامي، ظهر على شكل مدارس مختلفة.

منها: تفسير القرآن وقراءة آياته، وبيان معانيه. 

 شرع اولا على شكل بحوث في تفسير القرآن وقراءة آياته، فظهرت طبقة القراء الذين يقرأون القرآن ويعلمون الناس كلمات القرآن بالطريقة الصحيحة، فكان احدهم يسند قراءته للقرآن عن فلان عن فلان عن فلان من اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) ـ واغلب هؤلاء القراء ينتهي سندهم عند امير المؤمنين (عليه السلام) ـ ومثله يقول الآخر، فكانوا يأتون المساجد يعلمون الآخرين قراءتهم وكان اكثر المشاركين في هذه الحلقات من غير العرب لم تكن معرفتهم باللغة العربية كافية فصاروا على علاقة قوية بتعلم القرآن. وكذا الحال في التفسير وبيان معاني القرآن، والحديث والروايات الواصلة عن النبي (صلى الله عليه وآله).

منها: المباحث الفقهية.

برزت المذاهب الفقهية لحاجة الناس لانهم يسألوا عن دينهم، فظهرت طبقات منتشرة في الامكان المختلفة باسم الفقهاء تصدت لتقديم الاجوبة للناس، (هذا حلال، وهذا حرام، هذا طاهر، وهذا نجس، هذه المعاملة صحيحة، وهذه فاسدة)، وكانت المدينة احدى تلك المراكز كما ان الكوفة كانت كذلك والتي كان ابو حنيفة فيها، والبصرة كانت مركزا آخر، ثم ان الاندلس فتحت في زمان الإمام الصادق (عليه السلام) فوجدت المراكز بالتدريج في تلك النواحي، كانت كل مدينة من مدن الإسلام مركز مستقلا وصار يقال رأي الفقيه الفلاني كذا، ورأي الفقيه الآخر كذا. فظهرت معركة مذهبية على الصعيد الفقهي.                               

منها: المباحث الكلامية.

فقد ظهرت في القرن الاول فئة عرفت باسم المتكلمين، وهذا التعبير ظهر في كلمات الإمام الصادق (عليه السلام)، اذ يقول لبعض تلامذته فليأت هؤلاء المتكلمون. كان بحث المتكلمين في العقائد واصول الدين، فشمل البحث حول وجود الله، صفاته، وحول الآيات القرآنية المرتبطة بالله، الشاملة للصفات، فيقع التساؤل:

 هل الصفة الفلانية الثابتة لله هي عين الذات؟ ام انها مغايرة للذات؟ وهل الوصف الفلاني حادث ام قديم؟ كما وقع مبحث النبوة وحقيقة الوحي، وحول الشيطان، للبحث والاستدلال، ولم يخلو البحث عن التوحيد والثنوية.

 وفي ان العمل هل هو ركن في الإيمان بحيث لا ايمان بلا عمل ام لا دخل للعمل في الإيمان؟

 وقد تخطى البحث وشمل القضاء والقدر، والجبر والاختيار. وبالجملة فقد اوجد المتكلمون لهم ساحة للنقاش وبيان الآراء في جميع المواضيع الخاضعة للجدل.

منها: الزنادقة.

واخطر المدارس ظهور مدرسة الزنادقة، الذي يبتني فكرها ونهجها التعليمي على انكار وجود الله تعالى، وكذا ينكرون الاديان الإلهية، وقد اعطيت لهم الحرية، فاستغلوا ذلك في توسعة حركتهم، حتى انهم دخلوا الحرمين مكة والمدينة، بل في المسجد الحرام ومسجد النبي (صلى الله عليه وآله) كانوا يجلسون ويدلون بأقوالهم. وكان حديثهم على اساس ان عندهم شبهات لابد من ذكرها.

لأبن ابي العوجاء في هذا المجال ـ أي طرح الشبهة ـ تعبير جميل ولطيف، اتى يوما الى الإمام الصادق (عليه السلام) وقال له: يا ابن رسول الله انت رئيس هذا الامر انت كذا، انت كذا، جدك أتى بهذا الدين فعل كذا،... لكن الشخص عندما يأخذه السعال فلا بد ان يسعل، عندما تحتقن الاخلاط في حلقه لابد ان يسعل وعندما تأتي الشبهة الى ذهن الانسان فلا بد من ذكرها، فلا بد ان اسعل سعلتي الفكرية فأذن لي بأن اقول كلامي، قال له: قل....

 والزنادقة كانت فئة من مثقفي ذلك العصر، وكانت لها معرفة على مختلف اللغات الحية في ذلك الزمان، ومن اللغات الحية، وهي اللغة السريانية التي تعتبر اللغة العلمية في ذلك العصر، واللغة اليونانية التي كان الكثير منهم كانوا على الاطلاع بها. بالإضافة الى اللغة الفارسية والهندية كان البعض منهم له الاطلاع على ذلك.

منها: المتصوفة.

وقد ظهرت في تلك الفترة أي في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) حركة المتصوفة ذوي التنسك، فكان لهم انصار، وكان لهم تمام الحرية في ان يقولوا ما يريدون. كانوا يدّعون ان حقيقة الإسلام هي ما يقولون به، فكانوا يطرحون نهجا في التنسك ويقولون ان الإسلام يدعو الى ذلك، الى التزهد.

مع كل هذه المجريات الفكرية المختلفة تعاطى الإمام معها بروح الابوة، ووضع برامج من خلال تلامذته للتصدي لتلك المدارس المختلفة، وفي بعض الاحيان كان يتصدى بنفسه للرد عن بعض الشبهات.

 ومنها: في مجال القراءة والحديث، وكانت له مناقشات مع الآخرين في قراءة آيات القرآن وفي التفاسير، وكان يقول: ما هذا الغلط الذي يقولونه؟ ما هذا الكلام الذي يتكلمون به، الآيات يجب ان تفسر بهذا النحو، وكان يبين ذلك النحو من التفسير.

 ومن جهة الحديث، كان (عليه السلام) يبين ان كلام هؤلاء لا اساس له، عندما اندفع المسلمون الى تدوين احاديث النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الغفلة التي استمرت الى عام 143هـ، حيث اختلط آنذاك الحديث الصحيح بالضعيف وتسربت الى السنة العديد من الروايات الاسرائيلية والموضوعة من قبل اعداء الإسلام.

 فقال: الاحاديث الصحيحة هي التي تروى عن طريقنا، أي عنه وعن ابائه (عليه وعليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله). وذلك لما رأى ان سنة النبي اخذت تتجه اتجاهات خطيرة وانحرافات واضحة، فعمد للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة. 

 ومنها: وفي مجال الفقه، قام بتأسيس مدرسة فقهية تبين الاحكام الشرعية وتفند الآراء الدخيلة على الاسلام والتي تسرب الكثير منها نتيجة الاحتكار الفكري والعقائدي بين المسلمين وغيرهم. وهذه المدرسة الفقهية شهد بها المخالفون لنهجها مما اجبرهم على الاعتراف بها والاخذ منها بالواسطة او بلا واسطة، وأولهم ابو حنيفة الذي ذكروا انه تتلمذ سنتين عند الإمام الصادق وله جملة يذكرونها: (لولا السنتان لهلك النعمان)، وان مالك بن انس عاصر الإمام الصادق (عليه السلام) وتتلمذ عنده ايضا ويفتخر بذلك.

 يقول: كنت اذهب الى جعفر بن محمد وكان كثير التبسم ومن آدابه انه اذا ذكر اسم النبي في حضوره يتغير لونه، صاحبته مدة من الزمان، ثم ينقل بعضا من ملامح عبادة الإمام الصادق (عليه السلام) فيقول: كان عابدا متقيا.

والشافعي جاء في عصر متأخر لكنه تتلمذ على يد تلامذة ابي حنيفة وعلى يد مالك بن انس. واحمد بن حنبل يرجع نسبه العلمي بإحدى جهاته الى الإمام الصادق، وكذلك الآخرون.

 ان جميع هؤلاء تغذوا من المدرسة الفقهية للإمام الصادق (عليه السلام). فما عندهم إلا منه عليه السلام. 

ان العوامل الثلاثة التي تقدم ذكرها اوجدت حيوية ونشاط علمي وفكري هيأت قهرا الساحة للإمام الصادق (عليه السلام)، وخاصة العامل الثالث اذ اعتبر العالم كله بمثابة الوطن الإسلامي، فنتج عن ذلك نوع من التسامح والتساهل الديني وبه حصل مشاركة غير المسلمين في الحياة وبشكل خاص مشاركة اهل الكتاب. وقد كان اهل الكتاب في ذلك الزمان من اهل العلم فانضموا الى المجتمع الاسلامي واخذ المسلمون منهم العلوم في العصر الاول لكن في العصر الثاني تسلم المسلمون زعامة المجتمع العلمي. وهناك روايات تشير الى اخذ الحكمة ولو من مشرك. وان الحكمة ضالة المؤمن يأخذها اينما وجدها.

والمراد بالحكمة: الكلام العلمي الصحيح والمحكم والموزون والمعتبر وهي ضالة المؤمن. أي ان الحكمة التي يقول عنها القرآن الكريم: { يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا}.

وبناء على هذا فقد تهيأت للإمام الصادق (عليه السلام) ساحة اخرى استفاد منها، وحصل على فرصة الزعامة بحيث يمكن القول ان الحركات العلمية في العالم الإسلامي الأعمّ من الشيعي والسنّي مرتبطة بالإمام الصادق (عليه السلام).                

ونختم بحثنا هذا بوصية الإمام الصادق (عليه السلام) لسفيان الثوري:

 الوقوف عند كلّ شبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وترك حديث لم تَرْوَه، افضل من روايتك حديثا لم تحصِه.

 ان على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فدعوه.

 

الكاتب: السيد زكي الموسوي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ بحار الانوار: ج71، المجلسي.

2ـ بحوث في الملل والنحل: ج6، الشيخ جعفر السبحاني.

4ـ تاريخ الخلفاء، جلال الدين السيوطي.

5ـ تاريخ اليعقوبي ج3، احمد بن ابي يعقوب.

6ـ سيرة الائمة الاطهار، مرتضى المطهري، ترجمة: مالك وهبي.

7ـ وفيات الاعيان، ج1، ابن خلكان.

8ـ الإمام الصادق مناهجه ومعالم تراثه، محمد رضا الشيرازي.